السبت، 14 مايو، 2011

الفرح......( 1 )..

 
OLYMPUS DIGITAL CAMERA
 
لا يوجد في الدنيا ما اهو امتع من علاج الجذور علي انغام الصوت الرخيم لكوكب الشرق..عمل بطبيعته ممل ادعي للرتابة قائم علي تكرار ذات الخطوات مرات و مرات حتي تألفها فتعتادها فتعافها فتزهدها..يعتمد في مجمله علي التمقيق و التفحيص في قياسات مليمترية دقيقة و ايلاج اجسام معدنية دقيقة في فتحات قنوات عصب السن التي لا تري..
عمل كهذا كفيل بأصابتك بالجنون عند حدوث اي خطأ بسيط..لهذا كانت الحاجة الي الصوت الماسي لأم كلثوم..صوت "الست" به شيء ما داع للاسترخاء التام في العقل قبل الجسد..اشعر ان امي ذاتها هي من تغني لي و تهدهدني..صوتها ينقلني لعالم خاص من السلام النفسي و الهدوء و العودة الي ظلمات الرحم حيث الامان الاول بمنأي عن صعاب الكون..
عالم انسي فيه هؤلاء المرضي التعساء و روائح فمهم الكريهه يحافظون عليها في اخلاص حتي يتحفوني بها كأمانه غير منقوصة..دائما يتذمرون من سوء المعاملة علي الرغم من انها معاملة ممتازة لن يجدوا لها نظيرا خارج الكلية التعليمي و لو حتي مقابل مال..
و السبب طبعا اننا لا  نتقاضي منهم اجرا يذكر نظير الخدمات الطبية التي نوفرها  فيشعرون ان ما نقدمه معدوم القيمة كالمقابل الذي نتلقاه..هذه نظرة الناس التي لا تتغير للعلاج المجاني من قديم..بينما في عيادة الدكتور الكبير (.............) يجلسون في ادب ينتظرون ان يفرغ من مشاهدة مسلسله المفضل ليقابلهم بعد صبر في الفاصل الاعلاني فيؤدي لهم عملا تافها مليئا بالاخطاء المهنية و يسرقهم في مبالغ فلكية يدفعونها راضين و قد شعروا بجدوي العلاج بالايهام قبل ان يتلقوه فعلا..

هكذا الناس  يعشقون المظاهر و يحترمون من يخدعهم و يسرق ما كدوا لجمعه بينما يزهدون من يصدقهم القول و الفعل..
مالا يعرفه هؤلاء الحمقي انك في هذه السن الصغيرة تحيا في عالم من المثل تسعي فيها لتطبيق كل شيء صغير تعلمته من الكتب علي الحياة العملية..بينما الاستاذ الكبير قد بلغ من العمر و نفاذ الصبر درجة لا تجعله يهتم بالمريض او بالدقة العلمية كل ما يراه هو المال فقط...ما علينا..علي كل هذا شأنهم..
اليوم بالنسبة لي لا يفرق عن ايه يوم اخر..مساو في تعاسته لسابقيه و ممهدا لتعاسة اعظم يحملها من يلونه..المريضه جالسه في وضع استرخاء علي المقعد الهيدروليكي المريح بينما انا احاول قدر استطاعتي ان اعطيها كل ما في وسع خبراتي المحدودة و علمي القليل..اشعر بضيق بالغ و انا احس انها  تستحق ما هو  افضل..ما زلت صغيرا اتحسس سبيلي نحو الطريق الامثل..لا شيء يحافظ لي علي صوابي سوي صوت الست يدوي في اذني..
****************************************************

خد عمري كله..بس انهارده خليني اعيش..خليني جنبك خليني..
 

****************************************************
احاول ان اركب العازل المطاطي علي ضرسها المتهالك عدة مرات بلا جدوي- (و هو بالمناسبة قطعة من المطاط  الملون علي شكل مفرش صغير الهدف منها هو الحفاظ علي بيئة معقمة من السوائل و البكتريا طيلة فترة العلاج..واحدة أخري من الرفاهيات التي لن يجدوها لدي الاستاذ الكبير بينما افعلها أنا يوميا عن طيب خاطر...)-
ابحث عن من يساعدني بين النواب فأكتشف اني وحيد تماما و ان مسؤلية التصرف السليم قد وقعت علي عاتقي وحده..المريضة تشعر بالغثيان و تتقيأ فيتلوث مجال العمل كله في بركه من العصارة الحمضية..لا تشمأز من فضلك فأنت طبيب..ليس علي المريض حرج ابدا..لكن صوت أم كلثوم ذاته في هذه اللحظة لا يعد ذا جدوي..تشعر ان هذا كثير حقا..
في لحظات كهذه اذكرك..اراك امامي علي انعكاس مرأتي الصغيرة..اري وجهك الجميل في الحوائط اللامعة..علي الشاشة العملاقة التي تعرض افلاما علمية لا قيمة لها..اراك في فشلي و نجاحي..حتي فم المريضة عطن الرائحة ينسينه اياه ذكري وجهك الجميل..وجودك في حياتي يحفظ لي اتزاني النفسي..انت مركز مجرة وجودي و محور كينونتي..كالشمس و الارض..بدونك سأتوه عن مداري للابد في عالم من الظلمة الابدية..
و الست في اذني تعبر عما يجول في صدري فتدندن......
**********************************************************

ازاي ازاي..اوصفلك يا حبيبي ازاي؟!قبل ما احبك كنت ازاي؟؟
**********************************************************

شعرت بالضيق فطلبت من المريضة الانصراف حتي موعد اخر..اامل ساعتها ان اصير افضل او ان اجمع علما يؤهلني ان اكمل العلاج..اما الان فأشعر اني أجهل من دابه..لن يفيدها تطلعي اليائس الي فيها المفتوح علي امل ان يفصح لي عن مكنونه..جلوسي و جلوسها لن يفيد احدنا..جمعت حاجياتي و تركت العيادة الي غير رجعة..لم انصرف فورا و انما كعادتي جلست علي السلم الرخامي في واجهه الكلية اتناول مشروبا باردا و استحضر ما مر بي من احداث اليوم الكئيبة..
يالله!!متي اصير افضل؟!متي تبتسم لي الدنيا؟!كم اشعر بالضيق..يأتي الي هؤلاء الناس يوميا ليطلبوا مني علما لكني لا امتلك ايا منه..يتطلعون الي بأحترام و يسالوني في طرق للشفاء و انا عاجز..عاجز ان اصير ذا نفع لهم..ما سوأ ان يتطلع اليك الناس لتساعدهم بينما انت ما تزال بحاجة الي من تتتطلع اليه..من يأخذ بيدك الي نور المعرفة..اشعر ان لفظة طبيب واسعة جدا..هيابة جدا..بينما انا ضئيل متناه الصغر..لا استطيع ان املأ ذلك المعطف الطبي الوقورلتلك المهنة المصيرية...
كم احتاج اليك الان..احتاج الي وجودك الي جواري..احتاج الي رؤية وجهك الصبوح و ابتسامتك الحنون تخبرني في صمت ان الاحوال ستصير افضل....
**********************************************************
 يا وجھھا الصبوح المفعم بالأمل .. يا وجھھا الیانع .. لا تتركني أبدًا ..
أحمد خالد توفيق

**********************************************************
افيق من خواطري السوداء و اعود الي دنيا المرئيات علي صوت هاتفي القديم يرن و صوت امي ينتقل عبر الاثير ليخبرني ان لدينا زفافا لنحضره الليلة ..واحدة من قريباتنا لم ارها من سنين..توفيت امها من زمن,و امي تعد نفسها في منزلة أمها من ساعتها..لم اكن متحمسا ابدا لكن بالنسبة لأمي لم يكون التغيب خيارا مفتوحا فلم املك الا الموافقة علي مضض..ربما اسهم التطلع الي وجوه جديدة و الاختلاط بالاقارب في تحسين حالتي المزاجية المعتلة..
استقليت سيارتي العتيقة الي بيت خالي لأستعير حلته الانيقة المخصصة للسهرة..بعد فقداني لكم هائل من الوزن لم يعد اي من ملابسي القديمة يصلح للارتداء و صارت زيارتي لخالي اشبه برد فعل منعكس يسبق اي مناسبة ذات طابع رسمي لأختيار الملابس الملائمة من خزانته.. سرت في الشوارع المزدحمة اواصل التلذذ بصوت الست كالمغيب....تسالني كيف تقابلنا؟؟
****************************************************       

يا حبيبى طاب الهوي ما علينا..
صدفة اهدت الوجود الينا..و اتاحت لقائنا فألتقينا...

****************************************************
ما اروعك يا ( جرداق )..نعم..الوجود كله صدفه..خلفية لنا..الناس و الكون و الموجودات..كل هذا خلقه الله لنا كي نلتقي..و نكون..كل هذا ما كان ليري النور لولانا نحن..لولا اننا  جمعنا القدر-بغير حيلة منا - في لقاء غير محسوب...تسالني كيف هي؟؟؟
****************************************************
يا أرق من النسمة و أجمل من ملك...
****************************************************
لم افق من خضم افكاري الا و انا اجلس امام خالي في صالون دارهم احادثه في امور شتي و انتظر العصير الذي تجيد زوجته اعداده...
فاتحته بطريقة مستترة في نيتي في الارتباط فكان قوله بعد ان التقط طرف الطعم الخفي في حديثي:
- الزواج نصف الدين و حلال يحبه الله و رسوله..لكنه في مثل سنك انتحار..شبيه ان اعلمك العوم فالقيك في منتصف المحيط محملا بالملابس الصوفية..حياتك صعبة في اولها كما هي فلا تثقلها بمسؤليات الزوجة و الاولاد..أهنأ بحياتك وحيدا و الارتباط سيأتي في وقته حينما تكون مستعدا له..الزواج مسؤلية عظيمة لا اخالك مستعد لها في مثل سنك الصغيرة هذه..

كل هذا جميل و رائع..و لكن اين كان هذا العقل السديد و الحكمة المقطرة حينما تزوج بهذه الحدأة التي تقدم لنا العصير الان؟؟؟
نقل الحكمة و اعطاء النصائح و التظاهر بالمثالية امر جميل و الناس كلها تجيده و تمارسه طيلة الوقت..لكنهم في النهاية لحظة التصرف..حينما توضع قناعتهم موضوع اختبار يقعون في الاخطاء ذاتها التي حذروا منها مرار و نصحوا بتلافيها تكرارا..يمكنني ان انصح ابني بذات الكلام بعد عشرين عاما من الان..لكن الان..اعذرني يا اخا امي..لا استطيع ان اقف معك علي ارضية مشتركه..
قد يكون الحب وهم..لكنه وهم جميل كالذي يشعر به المدمن تحت تأثير المخدر..قد يكون مقدمة لمسؤلية ثقيلة لكن تحمل المسؤليات في الدنيا شر لابد منه..قد يكون رقا و اسرا لكنك لا ترجو ان تتحرر منه  الي ارض العزّاب الحرة ابدا..
****************************************************
امر عذاب..و أحلي عذاب..عذاب الحب و الاحباب...
****************************************************
يمكن أختصار ما تلا من أحداث اليوم في انتظار و نوم و استحمام و تحضير للحدث الجلل في تلك الليلة..كلا..لم أتناول أي طعام يذكر..أحاول ان افسح في معدتي مكانا لما سيحتويه البوفيه المفتوح من صنوف الطعام المتنوعة...
في تمام الساعة التاسعة تجدني جالس في سيارتنا القديمة في كامل اناقتي مع أمي و جدتي و زوجة خالي و طفليها الشقيين..بينما فضل خالي ذاته الانفراد بالبيت الفارغ من ضوضاء العيال و التلذذ بالصمت الجميل الذي اوشك علي نسيان معناه...
الفرح سيعقد في فيلا فخمة في مدينة العبور تم تأجيرها خصيصا كمكان لعقد القران..في محاولة لتقليد الافراح الامريكية الطراز التي تتم مراسمها في الهواء الطلق في حضور عدد محدود من المدعوين..
حتي الان لم يكن يشغل بالي سوي الطعام الذي سأتناوله..لم يكن يعنيني من سيتزوج و من سيتطلق و من سيترمل..طالما معدتي خاوية فلا يعنيني العالم كله و لو أحترق عن اخره..
النقطة الوحيدة لصالحي هنا ان معظم اقاربي في ذلك العرس منهم من لم يرني من ايام دراستي الثانوية و منهم من لم يرني منذ ان كنت طفلا..و منهم من لم يرني علي الاطلاق و لا يعرف عني سوي ان أمي لها ابن وحيد دون تفاصيل ازيد..اي ان الناس هناك اما انهم مازالوا يعتقدونني سمينا كالخرتيت او ما ازال طفلا يلعق ابهامه كلما شعر بالضيق..هذا في صالحي..يمكنني ان اتناول ما شئت من الاطعمة و ان انسل من بين المدعوين دون ان يلحظني احد الي ان اصل لفراشي المريح...
الطريق السريع المؤدي لمدينة العبور خاوي تقريبا في هذه الساعة المتأخرة نسبيا مقارنة بالاختناق المروري الصباحي الذي لا يرحم..كالعادة تحول الاسفلت المنطوي تحت اطر السيارة وواجهات الاعلانات علي جانبي الطريق الي خلفية لأفكاري المضطربة التي لا تريد ان تهدأ..
ككل المحبين الجدد..مازلت المح وجهها منسلا متلصصا بين ارفف افكاري يأبي ان يتركني و شأني أهنأ بالراحة  و لو لثوان..هي الوحيدة التي أنظر اليها فأتخيلها شريكة لحياتي المقبلة و أما لأولادي لو كتبهم الله  لي..بينما لم اشعر بذلك تجاه اي امرأه..حتي الان...
**************************************************** 

يا ما عيون شاغلوني لكن و لا شغلوني..الا عيونك انت...
 

****************************************************
عرفنا ان رحلتنا علي الطريق السريع قد انتهت و اننا قد وصلنا أخيرا عندما وجدنا في انتظارنا الفيلا العملاقة مزدانة بكم هائل من الاضواء يجعلها مرئية من بعيد..و صوت الاغاني الراقصة المنبعثة من الداخل يخبرك انك لم تضل الطريق...
انفتحت أمامنا البوابة العملاقة و انحني علي جانبيها حارسان عملاقان سمر البشرة نصف انحناءة تجمع بين التهذيب و الكبرياء المهني..و من خلفها بدا عالم الاضواء اوضح من ذي قبل كجنة صغيرة تدعونا للدخول بعد ان انتهت دنيانا و تطهرنا من الآثام....
****************************************************

سيبني احلم سيبني..يا ريت زماني ما يصحنيش....
 

****************************************************
                                                      

                                                       
                        ******************
                              (يتبع.....)