الجمعة، 24 فبراير، 2012

زغاريد المأتم…..2


kung_fu_953837181
الشيخ يقرأ بصوت عذب آيات من ذكر لكنه لا يطرق ذاكرته..هجر القرءان منذ ليال طويلة , لكن ليس لدرجة نكرانه لدى سماعه..جزء من القلب خافت و الآن تعود اليه توصيلية الانارة فتضاء مدنه و تدب فيها الحركة و الحياة بعد ان اهلك قاطنيها التوحش...

رجل يمر عليه بصينيه من اكواب شاى و اقداح قهوة , فيرفع يده شاكراً ان لا شىء..يحاول الانصات..اقوام ملعونة لا تتعظ..فساد و مجون و سعى فى الارض بغير حساب..التاريخ تمثيليه تعاد..و الابطال احفاد للممثلين قدامى لعبوا نفس الدور و لاقوا نكالاً فى الانتظار...و كأن الكتاب عن ايدى الناس ناء..او هم قارئيه دون قلب..

يتوقف الشيخ عن التلاوة ليستريح , فيشعر بمذاق الصمت بعد الصخب..صفير لا ينقطع فى اذن مجدودة اعتادت سمع الخفافيش..طبول و دق و زمر و ذكر...آذان العشاء يرفع من مكان قريب..و المقاعد تفرغ من محتواها تباعاً حتى شعر بنفسه الجالس الوحيد فى رفقة المعزيات من وراء الحجب...فقام بفعل التحرج اكثر منه الواجب..حين تعتاد الوحدة تألف نشاطك و تظنه الصواب و المقبول..و حين تعود الى دنيا الاخطاء تتغير معاييرك للقياس..كل هذه الايام دون صلاة و الوخز المتصل لا يوقظ الضمير الا الآن..عجيب..عجيب..و الاعجب كانت صلاته الخاشعه المتأنيه وسط الصفوف  , و كأنه يداوم على الصلاة لأوقاتها فى قلب الجماعه لا يتخلف عنها..وجد نفسه يشعر بنشوى خفيفة بعد السلام على اشرف الخلق..يحيىّ مجاوريه و تنطلق فيه روح من الود غير مألوف…

هذا الوجه بالذات..يشعر انه رآه من قبل..لعلها مصادفة...

عاد الى مقعده و قد عودته طبيعته على عدم كسر العادات..الشيخ غائب..و التبغ مستمر..و لغط النساء مازال دائراً من خلف الستار..غاب الحزن من القلوب و قد اعتادت المصاب..و حل محله حب الحياة..حديث لا ينقطع عن لا شىء..و جد نفسه يسمع و يتفاعل كأنها قضيته الخاصة...

" النساء...هن واحد فى كل زمان و مكان..."

نظر الى يمناه..ذات الوجه..ذات الوجه..و لم يشعر انه قد رأه من قبل فى حياة أخرى ؟؟
و يقولها كأنه كان معه هناك...

ينظر اليها و هى تشرب العصير فى بطء مثير..و اثر فيها الاحمر ينطبع على الماصة الصغيرة كأنه قبلة وداع..هل هى حقاً مثل باقى النساء ؟؟  تذكره بوجه عنيد يحاول استرجاعه..حب قديم تمنع عليه فى الزمن الاول...و الآن عصىُّ عليه ذكراه , كأنه لحن مفقود لتهويدة اطفال منسية..

فكر: ما حاجتك فى قوتك الى من لم يشترك فى ضعفك ؟؟..ما لا يعلق فى الذاكرة لا يستحق شرف التذكر..اغمض عينيك و احمد الله على نعمة النسيان !

اغمض عينيه بالفعل و ارجع رأسه للوراء فى سلام و كأنه غارق فى سنة…هل هو حقاً الآن اقوى ؟؟ لن يعرف الا عندما يصير طيفاً غير فان يتحدى قيود الزمان و المكان…

" فيم تفكر ؟؟"
تترك العصير لتقتحم افكاره من جديد..فيم يقول ؟؟ فيها ؟؟ ام فى ذكراها الشبحية التى كانت معه هنا يوماً ما ؟؟
" حب قديم..."
" اوووووه.."
لسبب ما لا يدريه سرت فيه القشعريرة و انتابه الصمت..
" و لا متسع فى القلب لجديد...؟؟ "
ابتسم لأول مرة منذ زمن بعيد و هو يراقب النقط المضيئة السابحة على الجدول القريب
" لم يعد الحب سوى ذكريات و احلام.."
" لا تموت احلامنا الا بأيدينا...."
ثم نظرت له نظرة خاصة و هى تعقب
" فلم تركت حبك ليموت ؟؟ "
نظر لها و كأنه يراها للمرة الاولى..وجود منفرد وسط الاضواء و الاصوات..ياله من سؤال لا يملك عليه ادنى جواب....

و الآن يخبره ان النساء واحد فى كل مكان..هراء..هراء..لقد عرف و رأى من كل صوب و يستطيع الجزم ان لكل واحدة مذاق..و هناك مذاق بعينه لم يستطع ان ينساه...

و مع ذلك هز رأسه فى هدوء و كأنه يتفق مع كل حرف يقال..و ضجيجهن لا يتوقف و كأنما يؤمّن على قوله..نظر اليه..مألوف انت ايها الغريب..مألوف الى حد الغربة..كالشىء الذى زاد و انقلب الى الضد…وهنت الذاكرة التى اتسعت لكثير..و بات اشتباه التوهم ايسر على العقل من تبين الحقيقة فى وجوه الغرباء…لكنك معتاد اثير و تجد طريقك فى ثنايا المخ باريحية…

لغد بدين..و شارب رفيع..و شعر خفيف..ووجه مربع لحيم..و ملامح كل ما فيها رفيع كالشارب..تدّعى الضحك حتى و لو ارادت اظهار الاحزان..فقط اين ؟؟ اين ؟؟

ثم فجأة انار العقل كما انار من قبله القلب بلقاء الخالق بعد انقطاع..

" (انور عزمى ) ؟؟ "
" من ؟؟ "

رفقه الدفعه الواحدة و الشلة الواحدة و القلب الواحد..و رفقة العبث..العبث بعينات معمل الانسجة , و اللهو بالجثث فى ساعات التشريح و اخافة الفتياب بالضفادع فى حلقات الحيوان..العبث الذى لم يخلق للاطباء..الانفعال فى الضحك و البكاء , و التحمس لأى قضية ,  و الطاقة المعطلة المهدرة على مقعد فى مقهى..ينفث دخان الارجيلة حتى لا يحترق بالسموم..و يسأل متى تبتسم الحياة ؟؟ يالها من ايام !...و كأن الخلق الآن يعاد من جديد..

تعرفه بعد حين..فقال لزمته الشهيرة التى اكدت له ظنه..
" يالله يا ولى النعم..."
ثم جعل يتفحص فيه
" اهذا انت حقاً ؟؟ ما اغرب الايام.."
قام فعانقه..و بدا مظهرهما عجيباً وسط الجلوس الآخذين فى الازدياد توطئة لأنتظار تبادل الشيوخ و عودة القراءة...ظلا على جلستيهما المتجاورة ردحاً من الزمن لكن التعرف لم يتم الا الآن…العبرة بتمام الخواتيم لا بنقص البدايات..كذا قال فى نفسه..

" اين اختفيت طيلة كل هذه السنين..؟؟ "
غريب قوله..و قد شعر ان كل الحواجز انهارت..و انه لم ينقطع عنه سوى ليلة و ضحاها..
" مشاغل الحياة.."
سأله فى اهتمام
" و ماذا صنعت فى حياتك ؟؟..."
ياله من سؤال كسؤال (قوت) عن الحب القديم..
" الكثير..."
من الهراء..
" هل تزوجت ؟؟"
للمرة الثانية اليوم يبتسم و ان كان فى غير المحل..اخيراً يعود مجرى الحديث الى ذلك الاتجاه القديم..
" الا ترانى لازلت محتفظاً بحيويتى القديمة ؟؟ قطعاً لا.."
" ربما تكون اذكى منا جميعاً..او قد تكون الاحمق الوحيد.."
" لم اجد يوماً متعتى فى اتباع القطيع..."
هز كتفيه
" قد يكون الزواج سيئاً فى مناح كثيرة..لكنها سنة الحياة.."
نظر الى اصبع (انور) الشحيم حيث استقرت الدبله الفضية فى يسراه
" افهم من ذلك انك اتبعت القطيع ؟؟"
" نعم..و لدى ابنان يتبعانى , خلف ذات الركب.."
قال لـ (انور) فى فضول
" و هل انت سعيد ؟؟"
لم هذا الفضول الآن ؟؟ اتراوده افكار اخرى ؟؟ ام يبغى استشعار الاجواء كيف تكون على الجانب الآخر ؟؟ قدم تسبق الاخرى على اليابس لتقيس برودة النهر…فات اوان الندم على كل حال..

هز كتفيه البدينين للمرة الثانيه
" لا سعيد و لا تعيس..هذه حياتى و قد كففت عن التفكير فيها و فضلت ان اعيشها..حين تنجب تتوقف عن السعى خلف مغزى الحياة و لا تفكر الا فى الاولاد..."

ربما لهذا السبب هو لم يتزوج..لأنه كان اكثر انانيه من ان يتوقف عن الوجود ليمنحه لغيره..هو كما قال..تلك اصبحت الحياة فما جدوى الاسئلة المعلقة دون جواب ؟؟...

وضع (انور) يده على ساقه الناحل
" عندى لك عروس ممتازة..جميلة و محترمة..و زواجها السابق لم يستمر اكثر من عامين.."
مطلقة و ارملة فى ليله واحدة و كله يصب فى حجر العازب الحائر...ظن نفسه كبر على عروض كهذه لكن الايام تثبت له ضمن كل شىء حماقته..من جديد شعر بتلك النشوة الغريبة للعودة للحياة رغم زهده الدائم فيها…

بادره كعادته عند سماع عروض مماثلة

" طالما هى بهذه الروعه فلم لا تتزوجها انت ؟؟ "

قال فى سرعه
"  المؤمن لا يلدغ من ذات الجحر مرة اخرى..."

" و لم تريد لى اللدغ ؟؟ ام تحسبنى ناقص الايمان لا يجيد الاتعاظ من اخطاء الغير ؟؟..."

قال فى بساطة
" لأنها سنة الحياة..و لأن هذا غير عادل.."

بدأت التلاوة و انتظمت الانفاس و انقطع الحديث...لن يعرف ابداً مقصده..غير عادل فى حق من؟؟ حق نفسه؟؟ فى حق (انور) ذاته الغارق فى مسؤليات الزواج؟؟ ام هو ظلم بين و كفى و الباقى متروك لتقديره؟؟ تباً لغموض الحياة !

الوافدون الجدد لا يكفون عن الدخول..القاعه التى حسبها فارغه تباعاً تشغل..الوجوه التى ظن انها انحفرت فى ذكراه و قارب تذكرها تنمحى لتحل محلها وجوه جديدة…تعتاد الغريب و تُخلق بينكما الالفة و التراحم فتهاديك الحياة بفراق..لابد من غرباء جدد تنتهى مصائرهم الى الالفة و الابتعاد..يجب ان يظل عقلك فى عمل دائم و يقتل كل اعتياد..تباً لغموضها الف مرة !

احد القادمين ضخم بالغ الطول ارتبط  فى ذهنه بـ ( راسبوتين ) لسبب لا يدريه..طول و صحة و عنفوان و صوت يهدون المكان و يرسلون رسائل السطوة الى المراقبين…و تلقائياً وجد نفسه على ذكرى الماجن الروسى , تارك لما حوله الى وقت و مكان آخر...

الكهل العجوز برتبه عريس يقف هناك بين الشباب يحاول الرقص و مجاراة دماء الحيوية الفائرة..يحرك قدميه على الارض و يصفق فى بلاهة جامعاً بين الكازاتشوك الروسى و رقصة زوربا اليونانية و رقصة نوم العازب المصرية الاصيلة..و الناتج لا شىء سوى تجسيد لكيان القرد من الاخيرة..قرد ثرى يهين ذاته و يشرى زمان غير زمان و يكمم الافواه و العيون بمال وفير يملأ الاطباق و العيون..

قرد ام غراب ؟؟ راقت له الفكرة فبدأ يدندن بصوت قديم لا يذكر لمن " الغراب يا وقعه سوده جوزوه احلى يمامة.. ".. و اين اليمام فى زمن انعدمت فيه رقة الاناث ؟؟ نظر الى العروس… هل  حقاً  انت يمامة خانعه ؟؟ من بين الضحكات الاليفة تخونها نظرات الشرر فلا ترى سوى وجه نسر اريب ينتظر الخير من الجيف…فيها ذلك الشىء الموجود فى عيون (قوت) لسحر القلوب بتغييبها..العجوز يوماً ما سينام ميته ابديه على جرعه حب زائدة تستولى فيها المنتسبة لليمام على كل الخيرات..و تتحول الى ارملة طروب تغوى العشاق مثل التى امامك الآن..الغراب زوجوه بنسر..و يستمر فى عقله الغناء معدوم الصوت و الالحان…

" اتريد الرقص ؟؟"
و هل انتهت من العصير بتلك السرعه ام الزمان هنا له مقاييس لا يعلمها ؟؟ و اين ذهب تبغها الذى قابلته به ؟؟ ما اغرق شروده ! و ياله من سؤال عجيب !..كيف بمن لم يرد الكلام ان يقوم فيهز جسده ليخرج الانفعال ؟؟..انه جبل من الشعور المكتوم..
" قطعاً لا..."
" لم بصرك معلق بالراقصين اذاً ؟؟..لم تسمح لنفسك بالاشتهاء و تمنعها عن ما تريد ؟؟ "
" لم يعد العمر يسمح..و النفس اصلا لا تشتهى.."
" لست بقاص عن عالم الشباب.."
نظر عبرها بشرود
" و لست دانياً كذلك..."
" من ينظر الى وجهك يقول انك تصغر العريس بعشرة اعوام..بينما من ينظر الى روحك يقول انك تكبر الموجودين بمائتى عام !! "
ابتسم دون روح
" الى هذا الحد ؟؟ "
قالت فى انفعال
" و اكثر...انا اؤمن ان عمر الانسان الحقيقى ليس بعدد سنين حياته قدر ما هو بحيويته الداخلية.."
" لو كان القياس كذلك لقلت انك طفلة.."
ابتسمت
" و احب ان يظل الوضع كذلك الى الابد..."

الماء الرقراق لصفحة النيل..و القوارب الصغيرة العامرة بالحياة..قدر ما ثمن حضورها زهيد قدر ما كانت محببة الى ذاته الآن أكثر..ثم تذكر انه يكره صحبة الناس جميعاً فنفر من كل شىء..

" لدى هواية مميزة , اعشق ممارستها فى الحفلات.. هل اثرت فضولك ؟؟ "
نظر لها فى فضول..ثم فكر فى خبث..لقد حسب ان هوايتها الوحيدة ليس مما يذاع على مرأى العلن..نعم اثارته و قد ظنه بحاجة الى انفجار كونى جديد…

" استطيع ان انظر الى وجه من الجالسين , فأعرف مهنته و عمره و ما يشغله..و نادراً ما اخطأ..."

قال على الفور
" هذه خدعه قديمة يمارسها الدجالين فى القرى..يحصل الواحد منهم على المعلومات من مصدر مندس , ثم يصارح بها زبائنه كأنها رسائل علوية مرسلة..و تنطلى الخدعه على العامة بسهولة.."

تصطنعت الغضب الذى خانه الابتسام
" انا دجالة ؟؟ الله يسامحك..و ليكن..لكن الدجل قائم على خداع الناس و سرقة مالهم..فماذا اريد انا ؟؟..."
" لفت الانظار..."
" مرة اخرى تحكم على الشىء دون تجريب..انت متعلم بطىء او شخص شديد العناد.."

نظر الى ما حوله من وهم كبير
" سأجاريك..كل الجلوس هنا شخوص عامه يعرفها الصغير قبل الكبير..هذه لعبة معروف آخرها قبل البدء..."

ابتسمت بملىء وجهها
" هؤلاء هم..فماذا عنك انت ؟؟"

شعر بدهشة حقيقة بعد الفتور الاولى
" انا ؟؟"
" نعم..سأذكر لك بضعه حقائق عن نفسك و انت وحدك من ستحدد ان كانت صائبة ام لا..."

حقاً لم يعد من الخاصة مثل هؤلاء..و بات تبينه وسط الجمع يحتاج الى بحث مدقق و خبير حفريات…جوهرة تاج قديمة مغبرة.. يمكن ان تكون عالمة بأحواله عن اهتمام خاص.. عرافة او مدعية لخبرة عن علم مسبق..لا يهم…..هذا فى ذاته ساحر..هناك من يهتم و يعبأ بدفاتر النسيان…و البعث و عودة الروح تتم على لسان جميل لعيون منومة فائقه التأثير…

لم يتحدث اكثر حتى لا يتهم بالسخافة..فلتقل ما لديها و ليصمت كل شىء...

 

و ماذا لديها لتخبره عن نفسه هو لا يعرفه بالفعل ؟؟

 

( يتبع )