الجمعة، 17 يونيو، 2011

قصة :فـــــــــراق..

 
sewing_a_broken_heart1
في البداية
أنت تعرف ان هذا الموضوع يؤلمني فلا داعي أن أعيد سرده علي مسامعك..انت تعرف ما حدث فلا تجبرني ان أسبر غور هذا الجرح الغائر لأستخرج منه هذه الذكري الاليمة..كلا لم أنس..لكني اجاهد ان أفعل..لا تجبرني أن أعود الي الوراء..الي مكان بذلت قصاري جهدي ان اترك ذكراه رغم اشتياقي اللامتناهي اليه..

هذا اليوم..تلك الساعة..ذاك اللحظة..كلها اشياء لا تنمحي بسهولة و ان حاولت..اليوم يبدأ بدايته المعتادة..لا تحمل ضغائن لأحد لا تحقد علي احد و تتوقع ان يصفو لك  الزمان بالمقابل..تأمل في اليوم ان يكون استكمالا لحلقة الفرح الطويلة التي تعيشها مؤخرا و تستكثرها علي نفسك و تظنها ضرب من الحلم..تظن ان الدهر قد جاد عليك أخيرا بذلك الكائن الهلامي  المسمي:السعادة...
بينما هي هناك بانتظارك..ربما منذ بدء الخليقة..قبل الانفجار الاعظم الباعث علي هذا الكون و تلك الحياة..موجوده هي هناك قبل ان يولد  كل هؤلاء من حولك..ربما قبل ان تولد انت شخصيا..كشمس براقة تعطي الضوء لحياتك الكئيبة و لا تنتظر شيئا في المقابل..
تقترب منها و قد سمحت لك ان تعبر مجالها حيث لم يعبر انسان قبلك..تجلس و تنتظر و تصمت..تنتظر ان تفصح هذه الورده عن مكنونها العطر..تري ما الذي تخبيئينه لي و للعالم من حولك يا زهرتي الجميلة؟؟
لكن الورده هذه المرة..جادة..حازمة..قاطعة..اشعر بها كجراح ماهر,يحاول استئصال ورم ما بأقل قدر من الخسائر..هناك رسالة معينة تبغي ايصالها اليّ دون ان تؤذي شعوري قدر استطاعتها....
تزعق فيها:
-" أهو شيء قلته؟؟أهو شيء فعلته؟؟ "
فتصمت و تطرق بوجهها في حزن..فتدرك ان المشكلة اقسي من ذلك و أفدح بكثير..ليست المشكلة في قول يمكن رده او فعل يمكن تقويمه..انها مشكلة لا يمكن ان تتكل علي الايام ان تمحوها أو علي اعتذار ان يصلحها..هي لا تريدك ان تتغير..لا تريدك ان تتحسن..هي ببساطة لا تريدك انت..

1-الانــــــــــكـــــــار...
مر اسبوع و لم تتصل...
شاق علي الا اسمع صوتك الجميل طيلة اسبوع كامل..اشق علي الا اتصل بدوري لكني سأترك لك المساحة التي تريدين..
نعم هذا ما فهمته بعد تلك المحادثة الدامية..انت تريدين مزيدا من المساحة..تريدين وقتاً للتفكير و التأمل بعيدا عني..اتفهم هذا تماما..هذا حقك الذي لن اسلبك اياه..لكن ما ذنبي أنا حتي تسلبي الضياء من حياتي؟؟
يالله كم اشتاق اليك..أشتاق الي فكرة وجودك الي جواري..اشتاق الي فكرة وجودك في حياتي..شعوري بك و انت تنسحبين منها تدريجيا يؤلمني..يؤلمني بشده..لكني سأتحامل علي نفسي طالما ان هذا ما يريحك..طالما ان هذه رغبتك..و انا عاهدت نفسي يوم عرفتك الا احرمك رغبة تشتهينها ما استطعت...
ربما قطعت علي نفس وعد الا اتصل بك و ان انتظر ان تفعلين..لكني ضبطت نفسي من حين لآخر اتلمس أخبارك دون أشعر..ازور الاماكن التي زرتها..التمس فيها عبقك الزكي..اراك في وجوه صديقاتك..في الواجهات المغلقة لمحل عملك بعد انتهاء الدوام..في الخصاص المنغلق لنافذه حجرتك التي امرها يوميا..
في صفحتك علي الفيس بوك التي تقرين فيها انك حزينة..اكره نفسي لو تسببت لحظة في هذا الحزن غير عامد..خذي المساحة التي تريدين فقط عودي الي الدنيا شمسا مشرقة تملأ حياتي بشرا و تملأ العالم نورا...
لن افهم ابدا لم ينظر اليّ الناس نظرة جنون؟؟لماذا يقر الجميع ان كل شيء قد انتهي؟؟لو حدث ذلك فأنا أول العالمين..و هل يحتاج المتوفي من يخبره انه ميت؟؟
أحدهم قال:
"لماذا تعذب نفسك؟؟ لم لا تنس و ترتح؟؟الزمن يداوي كل الجروح..فما بالك بشيء تافه كجراح القلب؟؟"
قد نُجرح و لكن جروحنا تلتئم..هذا ليس فراقاً..هذه فقط مرحلة صعبة تمر بها ايه علاقة و علاقتنا علي ما اري فيها من جمال ليست استثناءاً..هذا ليس وداعاً أخيراً..هذا جرح بسيط و سيندمل..أنا أعلم ذلك..وواثق أنك تعلمين..
2-الغـــــــــــــضــــــــــب...
مر شهر و لم تتصل..
أشعر اني لم اصبح بخير..اشعر طيلة الوقت بنار محرقة تلهبني من الداخل..اشعر ان تحت جلدي مارداً يبغي التحرر..يبغي ان يسيطر علي كل مجريات حياتي و ان يدمرها تماماً..كل من يعرفني صار يتجنبني كأنني موصوم..صار الجميع يتحاشاني و أعصابي قصيرة الفتيل سريعة الاشتعال..أنا شخصيا صرت أخشي الكلام حتي لا أنفث اللهب علي من حولي ممن أهتم بأمرهم سواكِ..
لقد كان الجميع علي حق اذن..هذه ليست هدنة للراحة و التقاط الانفاس..هذا فراق صريح..كلا انا لست غاضب منكِ..انما غاضب من ذاتي..مازلت رغم وضوح الامر اشتاقك في داخلي كأم اسكن اليها و هذا يزيدني غضبا من نفسي و احتقاراً لذاتي..
حقا كم حاولت ان أغضب منكِ حتي استريح..لكن يالك من انسانة قاسية..تركتني كأنّا انسانين متحضرين علي خلاف بسيط في وجهات النظر..افترقنا و اخر انطباعي عنك انك انسانه مخلصة جمه التهذيب تأبي الخداع..عجزت ان اكن لك الا الاحترام..حاولت ان اكرهك..ان امقتك..ان اغضب منك..و لكن دون جدوي..بينما كان علي ان اتحمل كل تلك المشاعر السلبية تأكلني من الداخل و تقتل في كل جميل..ياله من انتقام مروع و قسوة بالغة لا مبرر لها..
الغضب اصبح المحرك الاساسي لحياتي..و الوقود هو اعصابي التي تحترق بالبطيء..صرت اقود سيارتي بسرعات جنونية لا يهمني ان أموت أو ان ادهم أحدهم..صرت افتعل الشجار في كل مكان..حتي محل عملي لم يكن استثناءاً لاحتكاكات لا تنهي مع جمهور العملاء و زملاء العمل..حقا شعرت في تلك الفترة اني قد لامست نقطة الحضيض في حياتي..رأيت القاع بأم عيني..
قادتني اقدامي الي جبل المقطم..شعرت برغبة في الانعزال عن الناس لتجنب المزيد من الايذاء و الضرر..وجدت نفسي كالمخمورين ازعق في الهواء و احادث اشخاصا لا وجود لهم..رغما عني بدأ جزء من غضبي يتحول اليكِ..سامحيني و لكن ذلك كان أقوي مني..أقوي من ارادتي علي التسامح التي عهدتها في دائماً..
أحقا تركتني لإنسان آخر؟؟بعد كل الذي فعلته و قدمته؟؟ ما الذي جنيته لأحصل منك علي ذلك؟؟لا أري الامر في اي ضوء ثانٍ... بالتأكيد يوجد آخر..و الا ما التفسير لذلك التغير المفاجيء؟؟ما الذي سيقدمه لك ولم أعطك اياه؟؟ماذا كان هو و لم اكنه؟؟اتراه احد زملائك في العمل؟؟جعل يتقرب الي قلبك تدريجياً حتي حل محلي فيه و انا غافٍ في بحر من العسل؟؟ام تراه احد زملائي من الحاقدين ممن رغبوا في سرقة السعادة مني؟؟اياً كان لن أعرف..لكن المحصلة في النهاية واحدة..انتِ مع رجل غيري الآن..و أنا الاحمق الذي دفع فاتورة السعادة الابدية للعاشقيّنِ من احلامه و عمره..
شعرت بمرارة الخيانه..بالغضب..بنيرانه تحرقني من الداخل و تحيل الدنيا من امامي الي طبقة من طبقات السعير..ارتميت علي الارض الصخرية غارقاً في بحر من اللهاث و العرق و دموع الغيظ..بينما في داخلي تكونت رغبة مكبوتة بحرق العالم بأسره...
3-المقــــــــــــــــايضة...
مر شهران و لم تتصل...
هل حقا لن أراك مجددا؟؟؟
هل انت حقا بهذه القسوة؟؟هذا العمر؟؟كل تلك الاحلام المشتركة لا يُجني عليها بجرة قلم ابداً..
لكن كلا..اعرفك جيداً لأعلم ان هذا ليس خطأك..بالتأكيد هو خطأي أنا..بالتأكيد هناك مرحلة ما بعينها اقترفت خطأ ما في حقك..لكن بالله عليك كل شيء ينصلح..يموت أهلونا و أولادنا فننساهم في خضم متاعبنا و هموم حياتنا افلا تنسين انتِ؟؟
ما الذي تريدينه؟؟
أعدك انه أمر قيد التنفيذ..فقط قوليها..جربيني و لو لمرة أخيره..اعدك أن أكون عند حسن ظنك هذه المرة بالذات..أعتقد ان تاريخي الطويل معك يشفع بمحاولة أخيرة..بفرصة لا تتكرر..اكراماً لأيام جميلة انقضت و لن تعود..فرصة أخيرة هذا كل ما اطلبه..
اشعر انه كان لدي الكثير لأقدمه لك لكنك سلبتني هذا الحق..رغبت لو اسمعتك الكثير من حلو الكلام..وددت لو عاملتك كملكة مثلما تستحقين..أرغب في فرصة أخيرة أقدم فيها كل ما لدي و بعدها فليكن لك مطلق القرار..
هل السبب فيما حدث اني عاطفيٌّ بصورة مبالغ بها؟؟ربما مغرق في انفعالاتي و جياشة تصرفاتي؟؟؟
أم انني لا أجيد التعبير كما يجب فلم أعلمك يوماً كم تعنين لي؟؟

هل السبب اني مغرور معتد بنفسي لا يسمع سوي صوت أفكاره؟؟
أم أنني كنت مزعزع معدوم الثقة لم يصدق يوما انه حاز علي حجر كريم مثلك؟؟

هل كنت أنانيا مفرط الذاتية أم لم أفكر يوما الا بك حتي نسيت ذاتي؟؟
هل السبب اني أحبيتك أكثر من اللازم أم تراني أحببت نفسي أكثر؟؟
هل السبب اني صموت منعزل ام انني ثرثار لا يتوقف عن الكلام؟؟
هل أنا كنت أطول مما تتمنين أو اقصر؟؟اسمن أم أنحف؟؟حليق تريدينني أم مشعر؟؟مقطب ام بشوش؟؟أقبح أم أوسم؟؟؟

فقط قوليها..فقط أحلمي و سأحقق لك ما تشتهين..سأفعل أي شيءٍ تريدين...فقط عديني الا تتركيني ابداً...

4-الإكتئـــــــــــــــــاب...
مر عام و لم تتصل..
لم اقو علي مغادرة الفراش منذ أسبوع و لا مغادرة المنزل منذ شهر كامل...
علاقتي بالحياة باتت وهم و بالناس صارت ذكري..استطالت لحيتي وماتت نظرة الحيوية المطلة من عيني و تحولت الي جثة هامدة تنتظر تصريحا بالدفن..
اشعر ان اراده الحياة لم تعد بي..الكثير من الصراع و التكالب علي تفاهات..تعب و عناء و شقاء بينما احدهم قد انتزع الجائزة الثمينة التي كانت تنتظرني علي خط النهاية..فما الداعي لكل ذلك اذن؟؟
ارغب فقط في ان استلقي و أغمض عيني و استرييح الي الابد..ان اذهب الي ارض من السلام انتظر فيها حساب عن اعمال دنيوية خلت..
لست من التفاهة لأقرن حب الحياة بإمرأة مهما كانت..لكن الأمر ليس بهذه البساطة..لن تفهمني أبداً الا لو كنت مكاني و لا أود لك ذلك..
علي يديها تلقيت دروسا في حب الحياة..و اليوم انتهي الدرس و أنا الغبي الوحيد في الصف..كنت أعمل لأضع سقفاً فوق رأسها..كنت أحلم لأنها كانت هناك أميرة متوجة لكل أحلامي..كنت آمل في الغد لأنها كانت هو..أما الآن فما نفع ذلك كله؟؟ما جدوي حياتي كلها وقد فقدت كل قوي دافعة لها..هل رأيت أن ألامر لم يك بتلك البساطة؟؟
لم يعد لدي لا رغبة و لا فكرة لعمل اي شيء..حتي لو وددت ان انتحر لما وجدت لدي الرغبة في النهوض من الفراش..لا يبقيني حياً سوي رطل السكريات التي اتناولها يوميا كي تحسن قليلاً من مزاجي المعتل..
الحياة باتت مملة لا نفع فيها..ما الغد سوي تكرار ممل لليوم..و ما بعده هو تكرار ممل له..فقدت اي قدرة علي استشعار اي لذه او أي طعم للحياة..كان لدي براعم لتذوق الحياة ماتت يوم صرت وحيداً..اما اليوم فالحياة كفيلم طويل ممل لا أقوي علي الجلوس لأنتظار نهايته التي أعرفها جيداً...
يا الله..متي ينتهي كل ذلك العناء؟؟

5-القبـــــــــــــــــــــــول...
مرت عشرة أعوام و لم تتصل..
هل تراني؟؟أحقاً لم تتعرفني؟؟هذا أنا..ذلك الجالس علي هذا المقعد العام في تلك الحديقة الهادئة..
فقط سمنت قليلاً و غزت بعض التجاعيد الدقيقة وجهي و انحسر الشعر بعض الشيء عن مقدم رأسي..لكني ما زلت انا..ستلمح نظرة الحزن المطلة من عيني التي بت تعرفها جيدا..و التي نسيت اصلا سبب وجودها لكني لم أستطع يوما أخفائها..
هذا الطفل من أمامي الذي يسير بخطوات متعثرة ثم يسقط علي الارض النجيلية الرطبة ليضحك و يحاول من جديد الوقوف هو ابني لو لم تتعرفه هو الآخر..لاشيء مثل هؤلاء الملائكة الاشقياء يعمل كبوتقة صاهرة..يبتلع كل مشاكلك و كل انانيتك و ذاتيتك..لا يجعلك تفكر الا في مستقبلهم و لا تآمل الا في غدهم و كيف تجعله افضل من أيامك التي ولت..
هذه التي الي جواري..المرأة المحتشمة علي شيء من الامتلاء..هذه زوجتي..أخلص في معاملتها و لكني مازلت اشعر ان جزءاً مني ليس بالكامل لها..حتي وجهها دمث الخلق مازلت المح فيه ملامح لوجه قديم تسرب الي لا وعييّ يوم رأيتها و تخيرتها ان تكون شريكة لحياتي المستقبلية..هذه ليست مشكلتها لكن تلك مشكلتي و عليَّ انا حلها او التعايش معها...
امتد بصري ليتأمل في الافق البعيد و أنا أفكر في أسرتي و مستقبلها ..فرأيت أمامي مظهراً لعائلة أخري سعيدة..ام جميلة ممتلئة هي الأخري بدورها حوطها اولاد ثلاثة و تأبطت بحنان الذراع العريض لزوجها الضخم..و الرضا مكون عام لوجوههم حتي للاطفال الصغار عديمي الفهم لسياسة الحياة..
لكن وجه المرأة به شيء مألوف..به شيء يعيدني عدة سنين الي الوراء..تلاقت عينانا للحظة..ذابت فيها حواجز الزمن و المكان..و انتقلنا فيها الي الوراء سنيناً و أعواماً..الي ايام صرت اتخيلها علي بعدها حلم جميل داهمني فترة من حياتي دون ان يناله اي نصيب من التحقيق علي ارض الواقع...
نعم هذا الوجه الذي لم يفارق عقلي الباطن و خلفية افكاري لن اتوه عنه لحظة..سيتكفل عقلي بازالة اثر السنين و سيجد الروح الكامنة خلف هذا الوجه المكدود..اعرف انها قد تعرفتني كذلك انا واثق من ذلك..
افلتت منها برغمها ابتسامة قصيرة سارعت بأخفائها..ليس في هذا اي خيانه لزوجها الي جوارها..كلا ليست هي من هذا النوع..هذه مجرد لمحة من عالم مضي..عرفان بأيام جميلة مضت و لن تعود..حنين الي ماضٍ جميل شكَّل وجداننا و ما اصبحنا عليه لنكون في  تلك اللحظة..
ابتسمت بدوري و اشحت بوجهي حتي لا يلحظ احدٌ اكثر..بينما بطرف بصري ظللت اتبعها حتي ذابت في الزحام تماماً و علمت في سري اني لن اراها مجدداً..اتسعت ابتسامتي اكثر و قد احسست اني حصلت علي التتمه التي كنت ارغبها بعد مده طالت...
ضممت اليَّ زوجتي و ابني الصغير المتسخ بالعشب و رغما عني تبادر الي ذهني عبارة حكيمة سمعتها سلفاً و لم أفهم معناها الا في هذه اللحظة....
"الزمن يداوي كل الجروح..فما بالك بشيء تافه كجراح القلب؟؟"

             ( بــــــــدايـــــــة جـــــــــديــدة...)