السبت، 5 مايو، 2012

السجين…

 

prison

تقيد جسده الى مقعد خشبى قديم رباعى القوائم..و تغطت قسمات وجهه عن النور بقماش اسود كريه الرائحه..لم يكن فيه حر سوى اطراف يده التى كاد الليف المجدول ان يدمى رسغها , فظلت تتحرك فى حركات دائرية بحثاً عن منجاه..

شعر بالمقعد و هو يرتفع عن الارض بقائميه الاماميين ليجر من رأسه…و الارض الطينيه من تحته ينحفر فيها مسار المقعد قسراً بالقوائم , صانعاً قضباناً من وهم..ربما افلحت فى تقصى الاثر يوماً..

تعطل بصره فرهف ما بقى له من حواس..سمع من الجدران اصوات ضحكات ممتزجه بانّاتٍ صارخة , و شم فى الجو رائحه الدم المعتق و الصديد..و لم يسلم لسانه من تذوق بقايا اثار من سبقوه لارتداء هذا القناع..

تعثر المقعد به اكثر من مرة على تضاريس الارض الرسوبية.. فجعل يتقافز و يحط على المقعد بألم لا قبل له بتحمله..و تسائل حقاً لِمَ لَمْ يسمح له بالمسير على الاقدام ؟؟ و جعل بعين الخيال يكمل ما تعذر عليه رؤياه : فتخيل ارضاً رطبه و مصابيح خافته مدلاه من السماء , يحوم حولها الهاموش , و جدراناً متآكله و ممر طويله تحفه الزنازين و غرف للتعذيب فى كل مكان..
و حوطت سيره الاجبارى كتيبه الاعدام..جعل جهده تبين تعدادهم من صوت الخطا..مرة هم ثلاثه و مرة اربعه و مره عشرين ! و تركيزه يموت كل بضع ثوان على يد الضحكات البعيده..قميئه كريهه..كأنها لضباع..فلا يعلم ايمقتها اكثر..ام هو اثر الليف المجدول على رسغه و مفصل قدمه…

صوتها يحمله رغماً عنه الى بعيد..الى قيد مشابه و مقعد مختلف..يذكرها و هى تتعالى..ماجنه..صاخبه..لا تبالى لشىء..ربما كان المقعد اوثر..لكن السجن سجن و لو كانت قضبانه من ذهب..

قاوم..استمات..لكن القيد جعل المقاومة اكثر ايلاما من الاستسلام..فقبع ثائر النفس ينظر الى الارض فى ذله , و لا عظمة سليمه فى جسده..

ساعتها كان فتياً..قادراً على التحمل و المطالبه بالمزيد , اما اليوم فكل عثرة و ارتطامه  تقتل جسده المكدود...

توقفت المسيرة فانتظمت انفاسه..و كأنه كان يعدو لا يُجر كالذبيحة..و هسيس الضحكات يدانيه..ان زبانيته ينعمون باطايب الاوقات..و واجبهم سيُبذل عن تفانٍ و اخلاص..لن يثقل على احد بمشقه التنكيل به..

داهمه صرير زاعق لباب ينفتح..اشعره الصوت بألم عابر جز له على نواجذه..باب ثقيل..و الا فيم كان كل ذلك الجهد و العمر الضائع فى الانتظار ؟؟ ولى اوان الراحه و عاود الانقياد..و تلك الرحلة الابديه تواصل طريقها الى جوف المجهول..

مع كل دقيقة يقطعها يضمحل احساسه بالزمان و المكان..لكن ملمس الارض من تحته يتغير..شىء فى الصوت و الحركة الاحتكاكية لقوائم المقعد ينبئه بذلك..لم يعد يتعثر كل ثانيه..بل ينساب فى نعومة زلقه..كأنه يجُر على بركة عوامة من الماء…

اوذن للرحلة بالانتهاء حين شعر بالمقعد يحط به فى غلظه على الارض الناعمه..و رأسه يرتد الى الخلف فى صدمه التلامس فيستكين على المسند فى سنة غائبة..هدأت كل الاصوات و عم السكون الكون..ربما اصابه الصمم او الموت..كان حياً بهمس الصوت و هاهو ينقطع…

و بحركه مفاجئه اميط عن وجهه اللثام , فغشى بصره نور ساطع افتقدته شبكيته دهوراً..اصابه عمى مؤقت و الم غاشم و تعطل للشعور..و رأسه المقيد الى جسده عاجز عن الحركة لبعيد..اكتفى باختلاجه جفن آلمته اكثر من القيود....

تكيف سريعاً مع النور كما تكيف مع الظلمه…لكن كان له السلطان فلم ير غيره على مد البصر…

" انت متهم بالتآمر على الملك المعظم (عز الدين الدُرى )..فما قولك فيما هو منسوب اليك ؟؟ "
قوله ؟؟ ليت لسانه يطاوعه..ثقيل عاجز لم يفارقه مذاق العرق العطن..
و الصوت وقور رزين..يأتيه من ظلمه ساحقه و مسافه متباعده..

همس فى انهاك..              

" اما زال فى هذه البلاد التعسه ملكاً ؟؟ "

زلزل كيانه ضربه حاده قويه انهالت على رأسه من لا مكان..لا يدرى لبشر كانت او جماد..لكنها قدت من حديد..الضوء الساطع يراه اخفت و قد زاغت امامه الدنيا..استشعر ضيقاً اصيلاً اشد الماً من الضرب..


" انت متهم بالتآمر على الملك المعظم (عز الدين الدُرى )..فما قولك فيما هو منسوب اليك ؟؟ "
تكرر السؤال فهل تتكرر الاجابة ؟؟ و د لقريحته ان تجود عليه برد ساخر يخرس الاسئله الوقورة للابد..يجب ان يتظاهر بالقوة حتى النفس الاخير..فلا يروى النفوس الغليله بذله النصر..يكاد يسمع ضربات القلب المتوثبه العجول للضارب تتوق الى كيل المزيد..و لسانه يتصرف بارادته باعثاً فى نفسه الضيق و هو يقر بالحقائق..

" لو كان التآمر ضد (عز الدين ) تهمة..فكلنا متآمرون حين ناصرناه على اخيه ووليناه حكماً...."
"احذر مما تقول..انت ترمى بكلام على ثورتنا المجيده  لا قبل لك بتبعاته..."
ضحك فى سخريه موجعه
" اى ثورة تلك التى تطيح بجبار لتولد آخر اشد فسقاً و فجوراً ؟؟"
شعر بالضربه النارية تبعث من العدم..حتى شعر باحشائه تكاد تفرغ على الارض..و عيونه تبرز من محاجرها شاكيه الالم راجيه الموت..و تسائل كيف لم يفقد وعيه حتى الآن ؟؟
شعر بالنبرات تتغير فتفقد شيئاً من آليتها لكنها على ذات حيادها
" كل اجابه خاطئه ستلاقى بضربة جديده…"…

ثم بشىء من الاهتمام                

" فهل تستعذب الالم ؟؟ "
نظر له نظرات تائهه , فلم يجده لكنه علم انه هناك..الالم..و ما ادراه هو عن الالم ؟؟...و صوت ضحكاتهم الصارخه بالتوعد تقتل روحه..و قبضاتهم الداميه تفتعل بجسده من العذاب الوان..لم يُقيَّد الى مقعد من عشرين عاماً فى هواده و استسلام..لكنه تجرع بشفتيه من كأس الموت..و لا شفيع له من الم الذكريات...

سأله الصوت فى فضول مشوب بتلك النبرة المهتمة
" كنت من رجال الثورة المخلصين فماذا حل بك ؟؟ "
" حل بى ظلم.."
" لم يظلمك احد.."
" ظلمنى الملك حين اجبرنى على ظلم الناس..."
حضر ذاته لضربه جديده و رجاها ان تكون القاضية..اغمض عينه فى تسليم لكنها لم تأت من حيث احتسب..ففتح عيناه من جديد و لم يجد سوى النور...هل منعها عنه محققه باشارة ما ؟؟ ام انه نطق بالصواب ؟؟
" كم تلقيت لخيانه وطنك ؟؟ "

قال فى غضب

" لم اخن وطنى يوماً و لا عبأت للمال.."

" التآمر خيانه عظمى…"

" انا الوحيد الثابت على مبدأ…"

" الثبات على مبدأ يكون بحماية عناصره حتى الموت.."

" بل يكون بتصويب مساره لو اخطأ..او استبداله لو عقم الفكر و الصواب.."

اين يسير هذا التحقيق ؟؟ انه محض تمثيليه و الجلاد تلقى اجرته غير منقوصة..ففيم اضاعه الوقت فى اثبات تهم و نفى اخريات ؟؟

" مذكور فى اوراقك انه عقب حادثه وفاة زوجتك لم تعد على ما يرام..."
" فقد الاعزاء مصاب يهد الجبال..."
" هل كان لهذا علاقه بدخولك فى تآمر على مليكنا ؟؟ "
" هذا حادث انقضى عليه عشرون عاماً...و قد خدمت بلادى طيله كل تلك الفترة بتفانٍ..."
" الجنون لا يكون وليد لحظة..."
" و الظلم واقع على المجنون و العاقل سواء..."
" لكن كل معاصريك يصرون انك بعدها لم تعد انت..بت تعمل و تأكل و تشرب كالآله..ربما كنت مخلصاً , لكن احوال نفسك جعلتك تربه خصبه للمحرضين.."
" اذكر فى تقريرك ما تشاء , لكنى مُسائل على كل ما فعلت و لا ندم بى على ما كان..."

و يقول انه قد تغير...و الاحرى ان يقول انه قد مات فى ذلك اليوم..لم يكن هناك ليتأمله و هو مقيد معدوم الحيلة..و قد جعل الصاخبون يدمرون منزله فى اناه..يمزقون الستائر و يحرقون الاقمشه و يكسرون المزهريات و النفائس..و الدمار لا يزيدهم الا ثقه و ضحكاً و لذة مجنونه و استمتاع..
لم يكن هناك ليراهم و هم يحوطون صغيرته و زوجته فى دائرة واسعه لا مهرب منها الا بالموت..و الصغيرة تعوى دون انقطاع و تدفن نفسها بين فخذى امها راغبه فى العوده الى ما قبيل الميلاد..و ما ذنبها ان العالم مكان موحش دنس لا موطن فيه للابرياء ؟؟
و امها تحميها بجسدها , و قد ترك لها معذبيها حريه الحركة فى قطر متسع..فجعلت تتحرك فيها بجنون ظانة انها هاربه..فلا يقابلها سوى وجوههم الشهوانيه المقززة..تدفعها من جديد الى قلب الدائرة..لعبه قط و فأر مريرة..و دائماً صوت الضحكات..ان مأساه الحياة لمضحكة و مبكاه فى ذات الآن..

و هو يتقافز بالمقعد فى جنون..و القيود تدمى يده.. يزوم كأسد جريح خائر القوى..لا حيله له سوى عض الشفاه المكممة و الصراخ من نفس تحترق...

ان التغير فى تضاريس النفس يخلق حياة جديده..و هذا ليس ما حاق به...

" ادعاء الجنون فى هذه اللحظات خيار صائب..."
" السكوت عن الحق هو الجنون..."
و كذلك سكوته لحظتها الذى كاد ان يودى به الى الجنون..ليته تركوا له فمه فاباحوا له الصراخ..و ماباله يظن انه يعرف صالحه ؟؟
" كم فرداً يعملون فى تنظيمك ؟؟ "
" كثر لا حصر لهم..."
" نريد اسماءاً..."
" ذاكرتى لا تتسع لكل هذا العدد.."
" بضعه اسماء اساسية تكفى..."
" انت تعلم انى لن ادل بشىء..."
" لدينا من الوسائل ما يجعلك تغرد بكل ما علمت و ما لم تعلم..."
" سأموت على الاحرى قبل ذلك..."
" لكنك ستتألم كثيراً حتى تصل الى النهاية..."
" حياتى سلسله الم متصل.. فما ضير فى المزيد ؟؟ ستنتهى كل مشاكلى بألم النزع.."..

" هل حقاً ترى راحتك فى الموت ؟؟ "                                  و مرة اخرى هو لا يسخر و لا يقر..بل يستعلم فى اهتمام و كأن الجدل للجدل قد استهواه..                                              

" بالتأكيد.."

" و ما ادراك بما ينتظرك هناك ؟؟ "

" عزائى ان الله ارحم منكم جميعاً…"
لحيظات من الصمت..لا يدرى عن عجز ام تفكير ام هدنه..و لم يقطعه سوى اصواتهم المبهمه..كلاب مفترسه شرسه..لا تُقيِّم نقاشاً عقلانياً سوى لعلمها انه سينتهى بالدم…

" هناك دائماً اشياء فى حياة المرء اثمن لديه من عمره…"

لم يفهم مرمى كلامه للوهله الاولى و ضايقه ان ملامحه غير مرئية

" تقصد مبادئه التى يستعد للموت فى سبيلها ؟؟ "

" بل اشياء اغلى بكثير…"

لابد و ان اشاره خفيه انبعثت منه على نحو ما..لأن النظام المحيط كله جُن فتغير..الضوء الساطع من على وجهه يخفت..و المصابيح العديدة الموزعه فى ارجاء الحجرة يصيبها قبس النور فيلقى عليها بظلال المعرفه..الميلاد الم و الموت الم..لا تزال عينه فى وضع ارهاق عنيد..          

رأى قبالته مكتب ضخم عريض جلس خلفه الرجل الظل الذى لازمه طيله الليل فى جدل عميق..اختلفت هيئته عما وقر فى نفسه لكنها لم يخفت عنها وقار و جلال الصوت..طالعه وجه هادىء رزين وخط الشيب فوديه و سرحت فى قسمات وجهه آيات الجديه و التسامح..و بطرف عينيه لمحهم فى غير وضوح..زبانية فجرة..وجوههم منكره و لها ذات الطباع المستهتره بسر الحياة…

من لا مكان..شعر بجسد يُدفع صوب البؤرة الفاصلة بينه و بين مكتب محققه , فيتكوم لقاء اقدامه المقيده..جعل جهده تبيان التفاصيل الغائبة فى الملامح..جسد انثوى ناضج..و ببطء يغيب الغموض و يحل محله الفهم السافر..و تطل من عينيه امارات الهلع الحيوانى لغير سبب…
انها هى دون سواها...

وصرخ
" (رشيده)..ابنتى..دعوها يا اولاد الكلب..لا يقربنها احدكم بسوء.."

اصابه ارتياع مجنون..فجعل يهز مقعده كما فعل فى الزمن الغابر..و دب فيه نشاط هائج..و النتيجة الحتميه فى الماضى و الحاضر ان لا مفر من هذا المأزق الرهيب…عيناها تبثه خوفاً من كل شىء..و ترجوه مساعده فورية..و شعوره بالعجز يقتله الف مرة..

و تذكرها و هى بعد طفله صغيرة لم تجاوز السنوات الثلاث..لا علم لها بما يدور من صراع غير ذى منطق..و يتطم تطويحها الى بعيد و هو يتابعها هالع القلب..و اغماءه تصيبها فلا تعلم بما دار..اختصته الاقدار وحده لينفرد بالحدث الاليم...
" لم يقربها احد بسوء..بعد..و هذا يتوقف على حسن تعاونك...اكره هذه الاساليب لكنك صلب الرأس...."
قال فى تضرع

" و ما ذنبها هى ؟؟ "
" ذنبها انك ابوها و ذنبك انك عنيد و ذنبى ان سلامة الملك فوق كل شىء.."
" ملك ؟؟ اى ملك تتحدث عنه ؟؟ ذلك الذى فقد عقله من اعوام ؟؟ ذلك الذى انشغل بمطارده اليعاسيب فى حديقته ؟؟ ذلك الذى يبول على فراشه و يتلعثم فى تراكيب الجمل ؟؟؟ "
" انت لا تساعد نفسك و تنطق بالاوهام..."
" الملك فاقد لعقله من سنين لا حصر لها , و لم يبق من صورته سوى سراب..سراب نضعه ليواجه الناس فى المحافل و فزّاعه تخيف الاصدقاء قبل الاعداء.. و السياده الحقيقية مكفوله للوزير و لخواص القاده..انت مثلى تعلم كل هذا و تغالط نفسك..لقد انتهى غيه بالجنون..فما المغبه فى التآمر على مجنون ؟؟ "
" انت تضيع وقتى ووقتك فيما لا يفيد...اسماء المتآمرين او اى معلومات تفيد فى الاستدلال عنهم..."
صمت للحظات صمت العاجز المقهور..اللعبة تُلعَبْ بقواعد غير عادلة...و الشرف قناعة منقرضه..خاض بها كل معاركه فلم يُهزم الا بالغيله..بادل النظر بين وجهها المكمم و عينيها الناطقتين برسائل لا حصر لها..و بين عيونهم النهمة الخصبه للاذى..حيرة فوق حيرة..و تخبط محموم..و خطته الاساسية لأنتظار الموت الاليم تبوء بالفشل..و عن كاهله تستقر آمال امه فى العيش الحر..فلماذا اختُصَّ دون غيره بآلام البشر اجمعين ؟؟

استطال صمته..فادار المحقق وجهه صوب النسيان..و ملامحه تعلوها امارات اسف غير مصطنع..و فى بادرته كمنت اشاره البدء للحفل المنتظر..انهم ينسلون من شتى المناحى صوب القلب..قلب المكان و قلبه الكسير..انهم اكثر مما عد و احتاط..يقتربون ببطء الواثق و انهاك الروح يتملكه فيعجز عن المقاومة او الكلام..و هى قابعه على الارض كهره معدومة الحيلة..مكتفيه بالتلوى البطىء و الانين المقيد..و فى عينيها قرأ الموت و لازال فى صدرها انفاس…

و تذكر امها و هى هناك فى قلبهم..تفترش الارض و حلقتهم حولها ضيقة خانقه لا تكاد تسمح لها بالتنفس..يتشممونها كما الكلاب و تنتهك ايديهم جسدها و تلعق السنتهم جلدها.. و ينتهكونها بملىء ارادتهم و بنفوسهم و محسوساتهم..و هى تتعلق ببصره و تصرخ باستنجاد لم يفارق حنجرتها و هو يتابعها برضوخ معذب..مقاومته تزيد و تخفت كأنه يصارع معركتها..اياديهم تخمشها و تخمش ملابسها ..و هو صوت خامد و عيون متسعه..يتناوبون عليها..اولا ببطء..ثم بسرعه محمومه..صراخ مكتوم و شهقات مستمتعه ناهية..و العذاب يتكرر..و يدها مقيده الى الارض بكلابات من الصلب , فتتحرك حركة عشوائية كتلك التى تحركتها يده فى القيود..

خفتت..استكانت..و قد انهزمت الروح..استسلام تام بلامبالاة..بلا اى مبالاه.. تستسلم للوافدين الجدد..كل يضيف و يأخذ و ينهل و يسرق جزء من ذاته و شعوره..حتى تخيل روحه فى كابوس حى فقد فيه الشعور.. طويل ممطوط..طوله ممل سقيم..و عددهم كثير..و ليتهم يقتلوها و ليتهم يقتلوه..ليت الموت يسيراً و ليت الاحلام نختارها و ليت ضحكاتهم تهدأ و ضجيجهم يقل..و ليت الطفله لا تصحو فترى امها بين ايدى المغتصبين..و ليت الوقت يقصر و دوران الساعه يزيد..و ليت حياتنا كلها وهم ابدعه خيال مجنون…

وجد نفسه يصرخ زاعقاً فى الماضى و الحاضر فى آنين
" كفى...."
توقفوا على كره منهم و قد اوقفتهم اشارة فى منتصف الطريق..كلاب تتشمم فريستها , و تكره سيدها الذى حرمها متعه آسره و لذه تدوم..بينما هى تبكى بلا انقطاع دموعاً حبيسة..و هو يبكى حتى كاد يموت...
" سأقول كل ما تريد..سأنطق بكل ما لا تريد..فقط لا تقربها بسوء.."
" صدقنى ليس هذا ما اريد..و ما  اردت لك الا ان تتكلم..."
" سأحكى تاريخ حياتى كله..فقط لى شرط وحيد.."
" لست فى وضع يبيح املاء الشروط.."
"  بل هو مطلب او رجاء..هبهه ثمناً لكل تلك الاعوام التى خدمت فيها وطنى باخلاص…"
" …………………………"
" اريد بضعه دقائق منفرده مع ابنتى...."
" هذا لن يكون..."
" انت تعلم انى لست بمغادر هذا المكان حياً..هى كل ما لى فى دنياى فلا تضن على بدقائق اخيرة معها..لقد فقدت الصغيرة امها و هى على وشك ان تفقد عائلها الاوحد..فلا تستكثر عليها لحظات وداع خاص..."

تفكر المحقق حيناً و هو يضع ذقنه على راحتيه المنعقدتين فى تأمل..بينما انعكاس الضوء على اسنان الحراس المتأهبه يعميه , و نظرات الجوع الى الجسد المسجى فى استسلام تفزعه و تقززه..

جائت نجدته ممثله فى صوت المحقق الآمر
" حلو وثاقه و وثاقها و انتظروا بالخارج...."
سرت همهمات متباينه عنوانها الاعتراض فى الصفوف المتراصة من خلفه و تجاسر احدهم ليقول فى تواقح
" لكن يا سيدى..."
" افعل ما تؤمر و تذكر لمن القياده هنا..."
ثوان من الصمت عجز بعدها عن رؤية ما يدور فى الخلفية بين المعترضين..فلم يشغل بصره سوى صورة المحقق و صورة ابنته و ما يبعثه كلاهما فى ذهنه من افكار...
شعر بيد قاسية تفك اسره و تمزق قيوده بغلظة متعمده..يده الحرة يعود لها الدم و الحياة و كذلك ساقاه المتخدلتان...اضعف من ان يقوم على دفعه واحده فظل على جلسته يتطلع الى الارض..و هو يشعر بالباب الثقيل يفتح مرة اخرى و القوافل تخرج خلاله مكرهه..و آخرها قائدها الذى اطال اليه النظر بمعنى خاص..فبادله اياه بنظر كسير ملوه الامتنان...
وحدهما اخيراً فى الغرفه المغلقه الضيقة..ينظر لها و تنظر اليه..و تحمل عيونهما كلاماً اثرى الصمت..جرى اليها من مجلسه فخذلته ساقاه المتعبتين  فأنكفأ على الارض جوارها...أكمل طريقه اليها زحفاً على الارض الزلقه..حتى اهتدى الى اطراف اناملها الناحله و مسها فقبضت على كفه فى ضعف محزون..

فك قيدها لكنها هشه مستسلمه داميه متحطمة..لقد اغتُصبت مفردات روحها الشفافه معنوياً و تخلفت فى نفسها الندوب…
لامس شعرها الاسود الفاحم و مسح على وجنتيها الدامعه و يده تغسل عنها آثار اكفهم الغليظه..جعلت تبكى كأن عواطفها تفرغ بحنانه..و هو يردد ضاماً اياها الى صدره
" كم آذوك يا صغيرة..كم آذوك و انا السبب..انا السبب..."
وحدهما و ليس هناك ما يقال..او هو قد قيل بالفعل دون كلام…

ظل يتأملها فى عمق و هى كذلك و قد جفت دموعها..يُقرأها رساله خفيه و هى ترد بالايجاب و الخضوع..انهما على توافق عظيم...
نظر الى السقف..الى بؤرة الضياء التى غشيته طيله التحقيق..نظر طويلاً و هى من سافله مستكينه فى سلام تنظر اليه على علم بما يكابده..

تجنب النظر الى عينيها..و كفه يهوى من حالق ليحوط عنقها كالاعصار..و آخر ينسل ليكمم فاها..و عيناها من فوق كمامه يده تقرأه الغفران..و تحمل لوعه و ارتياع و ارتياح و حب و شوق...
و هو يبكى بحرقه شديده و يلهث فى انفعال متهانف  مردداً كالمجنون

" سامحينى يا صغيرة..سامحينى…"
و لا حركه لا نفس لا مقاومة..

مثل امها عند انقضاء السيول...
كانت هناك محطمة..اشلاء روح و بقايا انسان..لا قوة فيها و لا حتى على التنفس..جعلت تتأمل ابنتها المسجيه دون اهتمام..و نظرت اليه  و الى وجهه الباكى نظرة طويله غير ذات معنى..تأملت جدران البيت و ستائره الممزقه التى اشعلوا فيها النيران..تأملتها طويلاً و قد فتنتها الزهرة البرتقاليه و هو ينادى عليها من بعيد و لا مجيب..ينادى بخزى و تضرع و الهام..و لا مجيب...
اهاب بها ان تحل وثاقه..ان تنقذ ابنتها من النيران..ان ترد عليه..ان تقتله او تحيه..لكنها كانت حيه فى عالمها الخاص..وجد كفها يزحف بارادته بين الحطام و جسدها هامد..يلتقط بين انامله قطعه زجاج مدبب كبير جداً..حاد جداً..يدمى اناملها و يغرق بها البلاط..لكنها لا تأبه..قرأ ما تفعل و لم يجب غير عجزه..لم هو عاجز هكذا ؟؟ لماذا تعذبه كما عذبه الآخرون ؟؟ ليتها تفك وثاقه فتمنع عنه الجنون الاكيد..
السن الحاد يحش الجلد الهش و الاورده و الانسجه و الشرايين و الدماء تسيل فوارة و العين تسبل مودعه الحياة بلا مبالاه..و هو يصرخ..يصرخ..يصرخ..فلا يسمع احد..و النيران تفور..و البنت نائمه..و ليته احترق و لا كابد كابوساً آخر من ساعتها...

و الآن هل يترك ابنته حية بينهم ؟؟ هل يتركها ليفعل رجال الملك ما صنع رجال اخيه بأمها منذ عشرين عاماً ؟؟ فلتمت بيده خير من تنتهك روحها بايديهم..لتكن زهرته الامينه بمنأى عنهم و لو فى جنات الخالدين..ليمنع عنها كفر الانتحار و يأخذ اثمها فلا تذوق فى الدنيا  او الآخره عذاب..فليحمل هو كل خطاه الفانين على ضلوعه الى يوم الدين..فليقتله الذنب و يرهق عقله الوساوس و الجنون و الآثام..و لتفارق هى الدنيا الى عالم لا يظلم فيه انسان انسان...

جعل يهمس فى اذنها بصوت مغيب
" نامى يا صغيرة..نامى..."
جعل صوته يخفت و هى تستجيب لتهويدته المغيبه و تنسحب من عالمه ببطء قاتل..و كفه على حلقها لا تلين..و كل قسوته هى ابلغ حنان يحيها و يقتله...

هدأت..سكنت..فترت..و اخذت روحها معه..استكان على صدرها و جعل يبكى مطولاً غير قادر على شىء...نواح و انين طويل حمل كل اوجاع روحه..

ظل على وضعه برهه حتى عاود الباب ينفتح و لمح ببصر ضبابى القائد و هو يعود دون رجاله و يتأمل الوضع الكائن
" ماذا فعلت ايها المجنون ؟؟ "
" فعلت ما كان يجب ان افعله من عشرين عاماً..حلت بينها و بينكم..لا مانع بيننا و بين الحرية الآن انسان..اين زبانيتك ؟؟ اين جلاديك ؟؟ اين السوط و السياف ؟؟ انا جاهز للموت..لم يعد لدى ما ابكى عليه و لم يعد لدى من يبكينى..لن تخرسوا صوت الحرية و لو قطعتوا كل الالسنة...."
" ماذا فعلت بنفسك ايها التعس..؟؟ "
" لن يخيفنى بعد اليوم ملك و لا سلطان..انت لا تخيفنى..و لا هم يخيفوننى..لقد انطفأ النور من عيونها الى الابد..فما الذى سأخسره اكثر من ذلك ؟؟.."
قال له القائد فى مراره
" ليتك ما فعلت..ليتك ما فعلت.."
تأمله بعيون ملئى بالدموع و الموت و كأنه على درايه به لأول وهله..
تابع القائد
" لقد مات الملك…"

هتف كالمصعوق

" ماذا تقول ؟؟ "

" المتآمرون تسللوا وسط صفوف الحرس..داهموا الملك فى غرفه نومه و فصلوا رأسه عن جسده..لقد كنتم اقوى مما نتصور..لم يكن هذا سوى جزء ضئيل من خطة مدروسه محكمة للسيطرة على مقاليد البلاد..لقد عُزل الوزير و القاده..و منشآت الدولة الحيوية تنهار تباعاً..و هاهم هنا الآن..قادمين لأنقاذك و سواك…"


سمع لأول مرة اصوات الصخب الدائر بالخارج..معركة حاميه الوطيس..ضرب و كر و فر .. رصاص وافر..و دماء..دماء كتلك التى سالت منها على البلاط..و ارواح مُزهقه كتلك البارة التى اصعدها لتوه الى السماء...
جعل يضحك فى جنون و القائد يتأمله فى شفقه..و لم يعره اهتماماً و هو يغلق مخارج الغرفه و يبحث عن ما فيها من اوراق هامه و يمزقها فى قوة...
" عاش الملك..مات الملك..فبم نفعنى حياته او مماته ؟؟ و الثورة تنجح ؟؟ الآن ؟؟ دائماً متأخر..دائماً ما تخلفنى المواعيد بثوان..ليته ما مات..ليته ظل جاثماً على صدورنا الى يوم القيامه..ليتك قتلتنى و ارحتنى من العذاب..ليتها ظلت حيه بضع لحظات اخرى…"

قال له بغير اكتراث

" انت حر..اذهب الآن ان شئت.."
قال فى مرارة
" ما معنى الحرية ؟؟ و ما قيمة الحياة دونها ؟؟ ..."
و نظر اليها فى لوعه
" (رشيده)..ابنتى العزيزة..بأى ذنب قُتلتى ؟؟"
القائد شديد الانشغال عنه بتقليب الحجرة و تجريدها من كل ما يفيد غير الجدران...بينما هو اخذ يهزها فى عنف راجٍ , زاعقاً فيها
" حبيبتى لقد انصرف الاشرار..لقد جاء اصدقاؤنا ليخرجوننا من هنا....(رشيده) حبيبتى اجيبنى بالله عليك..لم لا تردين على ابيكى ؟؟ لم لا تسيقظين ؟؟ هل قابلت امك ؟؟ كيف هى يا عزيتى؟؟ هل سامحتنى على ما كان ؟؟ قولى لها انى اتعذب من بعدها..قولى لها اننى اموت من بعدكما..(رشيده) استيقظى..."
يده تصفعها فى رفق او دون هواده..و هزات و تعنيف..حتى سلم بكل شىء...
بينما القائد يصيخ السمع الى بعيد..و يتأمل الاحوال الدائرة بالخارج خلال نافذه ضيقه ذات قضبان طوليه..و قال له
" لا مهرب..انهم يقتربون جداً..."
ثم نظر له  فى تعاطف
" انت رجل صادق شريف..اتمنى لو كنت قد قابلتك فى ظروف افضل..."
لم يجبه و ووجها بين راحتيه و ملامحه غرقى فى الذهول..و لا زال على شعور ان ذلك الجسد فاقد النطق يمت الى انسان آخر..
ابصر القائد و هو يخرج من خزانته المغلقه حقيبه مستطيلة كبيرة..وضعها على المكتب و تأملها حيناً قبل ان يفتحها و ينظر الى محتوياتها بإمعان..
قال القائد
" هذا اجراء اخير ما حسبتنى يوماً ساضطر اليه..."
و امام عينيه الدامعه وجده يخرج مسدساً من الحقيبه و يصوبه الى رأسه الخاص و هو يتأمله فى ثبات و يكرر
" كانت معرفتك مشوقه..."
صرخ فيه ان يتوقف..فنظر له و الروح تدب فيه من مكمنه فيقف قبالته..

" لا يمكن ان تصنع بى ما صنعت ثم تتركنى هكذا.."

قال له القائد فى سأم و يده الممسكه بالمعدن القاتل  تتململ

" قلت لك: انت حر..و لا اخال هناك تكفيراً عن خطاياى اكثر من الموت.."

صرخ فيه

" اذاً اتمم ما بدأت و لا تتركنى هكذا غير ميت و غير حى.."

" انت مجنون..انى اهبك الحياة.."
" لا قيمه للحياة من بعدها..."
فى اشاره ضمنيه الى الفقيده المسجية فى مكان ما...
" لا وقت لدى لمجادلتك فى جدوى الحياة..فأنا على موعد مع ملك الموت.."
و من الحقيبه اخرج قطعه مماثله لتلك التى فى يده و ناوله اياها..
" اصنع به ما تشاء..."
و الاصوات من الخارج تقترب الى حد كبير حتى ليكاد يشعر بتواجدهم معهما هنا...
تناول منه الشىء الثقيل..و يده لم تعد بها اعصاب..خشى ان ينظر خلفه ليودعها فيجن..انكر وفاتها..ينظر للمسدس فى تفكر..ثم يقرر ان يوجهه الى رأس القائد لا رأسه هو..

قال القائد له بسخرية و قد ازدوجت الفوهات صوب رأسه

" ايخطر ببالك الانتقام حقاً الآن ؟؟ "

" على العكس..انت مثلى فى كل شىء..رجل شريف خانته الظروف لخدمه نظام فاسد..و كل جرائره يحمل اوزارها من سلَّطه سيفاً على الرقاب…لا ضغائن من اى نوع , و لا حاجة بك الى ان تموت منتحراً…."
نظر القائد الى وجهه بتفهم و الاصوات تقترب جداً...
" الاحرار يموتون بشرف.."          

و تلك هى لحظة تحرره التى طال انتظارها..

حوَّل القائد اتجاه مسدسه لتشير فوهته الى وجه السجين , و اصبح روح كل منهما تحت تصرف الآخر...
الباب المغلق تجتمع عليه القوى فى حِدَّة , باغية قهره..بينما يد كل منهما قد اشتدت على الزناد.........

( تمت )