الجمعة، 27 أبريل، 2012

المملكة…

 398435_264449206953944_107785525953647_665861_299866486_n

لماذا تقودنا دائماً الخواتيم الى ارض البدايات ؟؟
لماذا تُذَكِّر لحظة الموت بالميلاد و يقترن البعث ببداية الحياة ؟؟ ربما لتشابه الظروف المحيطة و الملابسات..جو الصخب الوسطى يخفت عندما تشارف الامور نهايتها فيعود لها ذلك الصمت الخَلقى الاول..عندئذ يتمكن من النفس اليقين بدنو النهاية...و يغمرها شعور جميل بالنعاس و الاستسلام لمجريات حتميه آتيه لا محالة...

هذا الشعور يسيطر على ازِمَّة نفسها فى هذه اللحظة..متغلغلاً مسيطراً حتى ليفقد ذاتيته الشعورية و يتحول الى حقيقة او مسلمة..

و هى تجلس الى جواره الآن وسط الضجيج الدائر من الناس تشعر انها اللحظات الاخيرة رغم انه لم يقل شيئاً واضحاً..ربما هى تقرأ الاحداث او هى قارئة جيدة لصفحة وجهه..

ما انقاها و ما اصف نفسه ! كل خلجة او اضطراب بسيط فى روحه له ما يناظره منه فى وجهه..انه لا يستطيع الكتمان فى الشعور و له فى ذلك مقدرة طفل..او هى التى تعرفه اكثر من سواها..

المكان اعتادا فيه اللقيا مراراً و لم يشغلهما زحامه , لأنهما اعتادا خلق وجودهما الخاص المتفرد فى لغته و سكناته و انفاسه..اما اليوم فيشعرها الضجيج بالاغتراب..كأن تلك الوجوه ما هى الا شهود عيان صامتى اللسان..مهمتهم الوحيدة ان يؤكدوا ان موتها الحتمى على يديه بعد لحظات لم يكن سوى حادث مؤسف غير مقصود !

استباق احداث ام استبصار ؟؟ انه صامت لا ينبس بشىء..لكن ملامحه الآخذه فى الاضطراب تعزف مقطوعتها الخاصة من الاعترافات المذهلة...

لو صدق حدسها و كانت النهاية فأين البداية التى تبحث عنها الآن كمنأى من كل هذا ؟؟
هل هى لحظة اللقاء ام لحظة الحب ام لحظة المصارحة ام لحظة الحقيقة ام هى كل تلك اللِحاظ متجمعه معاً !..لاتدرى..و الحيرة اعياء..و حدسها بيقين النهاية كان على نفسها اسهل بكثير من هذا التساؤل رغم وضوحه..

فقد اعتادت ان تنظر الى وجودهما معاً كأنه حلم..نعم حلم..حلم جميل انتابها فى سنة او غفوة عابرة..و كلما اعتادت ان تشعر انها على مشارف بوابة الاستيقاظ تسارع بالتشبث بأى قطعه من عالمه حتى لا تترك دنيا الاحلام..فتشعر بعدها ان ما سبق لم يكن سوى نوبه من تقلب على فراش مريح تعود بعده فتستأنف الحلم فى انسيابية...

لهذا فبدايتها الحقيقية - او بدايتهما- هى لحظة دخوله منزلها...

تلك اللحظة السحرية التى اجتاز فيها ممر طويل يباعد بين عالمه و عالمها..تخطى فيها الحلم كينونته ليتحول الى حقيقة لا مراء فيها كانت على قصرها و جمالها كأنها هى الحلم..

شعرت انه هنا لها...ملكها..تمازج فى عالمها و اصبح احد مكوناته التى لن ينفصم عنها..هو هنا مع ابيها و امها و اخيها و اختها..اجتمع الاعزاء من كل الاقطاب و تحقق المراد الذى طال تمنيه من لحظة ميلاد الحب فى القلوب...

و ماذا و ماذا ؟؟ السحر ينساب كالماء الرقراق و الامساك به مستحيل..و تذكر كل لقطة ضرب من عبث لا يستهان به..تذكر ابتسامته الوضاءه و ابيها يستقبله ووجهه الذى اشرق حين رئاها و نظره الذى لم يطله احتراماً لآل البيت..و اللفافه الضخمة التى حوتها يده كرضيع و هى تتقدمه , كأنها فروض ولاء تضمن له دخول آمن لحصن حصين !

تذكر بصورة ما اباها و هو يمازحه و هو يرد على دعاباته المختلفه باسلوبه الوقور السابق لسنه..ووالدها يشير الى اللفافه الضخمة
" كلفت نفسك كثيراً اى بنى..."
" الهديه على قدر المُهدَى..و هى عندى اغلى من الدنيا كلها.."

الصدق..الصدق بضاعه اقيم من ان تشترى و تقتنى..و هو صادق..صادق حتى النخاع..فقط بصدقه يرفعها الى السماوات محلقة بغير اجنحة...تشاغل ذهنها للحيظات بما قال عن اشفاقها عليه من شراء شىء بهذه القيمة !

هو واخيها يصيران اصدقاء تقريباً..الكيماء بينهما واضحه و تقارب السن بين..و هى لا تريد له ان يترك كل هذا و ينصرف اليها..تريد له ان ينغمس فيه اكثر..تريد له ان يحبوه مثلما تحبه و يرونه كيفما تراه هى...حتى و هما يتشاطران لعب الكرة امام التلفاز كأطفال صغار..يتقافزون و يصخبون و يضجون و تلتهمهم المتعه و الاوقات و الحماسة لم تقنط..بل شعرت و كأنها تتأمل قبيله من اطفال اطالت اللهاث بدعوة الله ان يكونوا له منها...

و هذا الجانب تراه فيه للمرة الاولى..اختها الصغيرة التى لم تتم اعواماً اربع..لماذا عندما رئاها انفصل عنهم و تناساهم ؟؟ لماذا ينظر اليها بكل تلك النظرة التى يملأها الود و الابوة المبكرة ؟؟ لماذا يصغى الى حكاويها الصغيرة معدومة القيمة و كأنها اهم اخبار فى الكون؟؟ لماذا يحوط خاصرها و كأنه يخشى لو تنصرف عنه الى لهوها ؟؟ هل وجد في الصغيرة عبقها هى من طفولة منسية ؟؟ صارحها كثيراً ان فيها طفوله يعشقها..و انه نادم كثيراً انه لم يأتى الى زمن سابق ليشهد طفولتها الاولى..ام هى الرغبه الحارقة فى بنت صغيرة من صلبه ؟؟ ها هو حلم آخر تعلمه عنه و قد اخفاه تحت جداره الصلب..ستحققه له و تحاول ما استطاعت..فقط لو يزيل حبات الجدار الدقيقة فيما بينهما..فقط لو يصارحها بكل ما فى نفسه كثيرة التشعب..كل فى وقته....

امها صديقتها..صديقتها الصدوق..اسرار و حكايات متداوله و لا مجال فيها للحكم المسبق..لم يكن يشغلها رأى ابيها فهى كانت تعلم انه راض لرضاها و قانع بما يحتكم اليه رأيها..انما امها هى كانت ما يشغلها..قراءة نظرات الصديقة المتفحصة المدققة للفتى الراغب فى ان ينال فتاتها المقربة..جعلت تقرأ فيها و هم منشغلون فى الطعام او الحوار..ذاقت فى قسماتها الرضا و الحنو..ربما لأنهما مثال لبعضهما..جسدين احدهما يدانى النضج و الآخر يمرح بين الطفولة و الشباب و فى الحالتين الروح واحده !..نفس روحها التى قرأت من خلف نظرة ابتسامته الحزينه نداءاً خفياً بالعذاب و الاحتياج الى يد معينه..لقد احبته امها دون قيد مشروط..بل لقد انغمسا فى حوار لم يقاطعه سوى اختها الصغرى و هى تجلس الى ساقه و تأكل من طبقه فى دلال...حتى استشعرت غيرة ضحكت لها...انه لى..انه لى و ليس لكن..و جعلت تضحك فى سرها على نفسها الحمقاء الغريرة...

نعم مسبب الحب واحد...لقد ايقظ فيها غريزة الامومة قبل الحب..ربما الامومة فى ذاتها حب..لكنه مر معها باطوار عديدة حتى تحول الى الحب المعروف بين العشاق...احتياج متواجد ووجود متوحد لا يكتمل الا بنصفين...نظرت يوماً ما فى وجهه فشعرت انه بحاجة اليها حتى لو لم يكن يعرف..شعرت بنداء ضعف او استغاثه كامنه خلف مظهر صلب او مدعى القوة..كأن فى آنات النزع ضعف..جعلت تقترب منه حثيثاً ملبيه هذا النداء , هادمة فى طريقها العديد من الحواجز , حوط بها نفسه و نأى بها عن الآخرين…حتى وصلت الى ما يختفى خلف الجدران او ما ظنت انه هو..فأكتشفت الحقيقة..قدر ما هو بحاجة اليها هى بحاجة اليه..كانت تساعده فوجدت فيه نفسها..كانت تراه ابنها , فرأت فيه ابيها و اخيها و حبيبها و زوجها المستقبلى...رأت فيه كل شىء....لديه ما يمنحه و لو ارتأى عكس ذلك !

هو و ابوها يتداولان ظروف الحياة..آه كم تشفق عليه من لحظة كهذه..كم ودت لو كان حبهما مرهوناً بموافقتها فقط..لو لم تكن الحياة بتلك القسوة و الصعوبة غير المحتملة..صحيح ان امها و اخيها هناك يلاطفان الاجواء و يداعبونها كفيلتر..لكن الشوائب موجوده و ابوها لم يختلقها..فهى هناك منذ الازل...

هل ينتهى الحلم الآن ؟؟ جعلت تراقبه و تتأمله و هى تفكر بذلك الهاجس..لكن بسمته الآمنه و هدوئه الواثق اعادا لها بعض الايمان بعالم الاحلام...انه يعرض قضيته بهدوء و دون صخب..بأسلوبه العقلانى الهادىء الآسر..لا يدِّعى في نفسه امكانات غير موجوده..و لا يقدم سوى الواقع بصورة تفصيلية تحليلية..

الحياة المشتركة ممكنه...لكنها صعبة..الصعوبة لا تعنى الاستحالة..لكنها لا تعنى الرغد كذلك..من ناحيتها الامر محسوم لا تردد فيه...هو رائع و ان لم يعلم..هو قادر و ان لم يعرف..سيصل..سيصل و ان تعثر..سيصل و ان تأخر...كل ما يحتاجه هو قضبان تسير عليها حياته..دفعه بسيطة توجهه فى الاتجاه الصحيح..و هى هذه الدفعه و مشيده تلك القضبان..او هذا ما حسبته فى نفسها..ستصنع له حياته كأحلى ما يكون..ستفقد احلامها لتتحول كلها الى حلم وحيد ان تراه سعيداً غير محزون محققاً لكل امانيه....

موافقتها و رغبتها سيذيلان كل شىء...لن يضع امامه احد المزيد من العراقيل..طريقه مفتوح الى قلبها و كل ما عليه ان يسير بخطا واثقة و ها هو يفعل ذلك الآن بنجاح...لقاء مثمر و خطوات بناءه نحو جائزة قيمه و ثمرة نجاح...ووعد بلقاء متجدد و امل لا يضيع فى رحاب الحياة...

استأذن لو يحصل على دقائق منفرده معها , و هى تعلم لو حرم منها لما حزن..و لو اخذ على نفسه عهداً , لبر به و ما رئاها الى يوم تصير زوجته امام الله...

الاذن يتيحه التصريح..و الحجرة الواسعه ذات الباب المفتوح تتحول الى دنيا اخرى موصوله الى ذات عالم حلمها..و السقف يطير فى عبثية ليتحول الى قبه من قباب السماء تمرح فيها النجوم و الاقمار...الصمت لغه..فما الحاجة الى الكلام ؟؟  و العيون تحمل فيضاً من الرسايل المحمله بالحب و الوجد و الموده و العتاب و الحلم و الفكر و السهر و الشوق و الحنين و الميلاد و الشباب و كل المعانى الجميلة فى الحياة..حتى القلق و الخوف كانا هناك..لكنهما اصطبغا باهداف اسما رفعاها من محط السلب الى الايجاب...

" كنت رائعاً..."
نطقتها صادقه..بحنان ام رؤوم..تعرفه كمثل الاطفال..يحتاج دائماً الى من يخبره انه يسير فى الطريق القويم..رغم انه قلما فارقه..

لم يحر جواباً..كانت تعلم انه يشعر ان عدد كلماته عليه محسوب..و انه طالما صامت فالوقت لا يمر..لقد خدع المواقيت و جمد الزمن..طالما هو هنا على سكوته و استلهامه للغه روحها من بئر عينيها فلا معنى للوقت...

اخرج من جيب حلته الانيقة مظروفاً متخماً ووضعه على المنضده الرخامية المباعده لما بينهما فاحدثت رنينا مكتوماً لا معنى له...
نظرت له فى حيرة و قد استشعرت عدم فهم لجدوى ما يفعل...

" هذا اول راتب اقبضه فى حياتى..."
شعرت نحوه بفخار حتى لكادت عيناها تدمع له..لم تنظر الى المظروف او الى سمكه بل الى ثقله المعنوى..عيناها لم تفارق عيناه , كأن هاجسها القديم بالحلم يعاودها و تخشى الفرار الابدى بالاستيقاظ...
الحيرة..الحيرة لابد منها...و علامات الاستفهام ترسم على العيون بوضوح...

" سابقاً ما كنت واجداً فى ذاتى القدرة و لا الرغبة فى العمل..كنت اعمل نعم..لكن بلا روح حقيقية..لا معنى عندى لكرور الوقت او تتابع الايام..حتى عرفتك..."
كيف ننطق مقاطع بعينها بلهجه خاصة حينما يكون كلامنا كله على قدر عال من الخصوصية ؟؟ انها لقدرة فذه يتفرد بها وحده من دون البشر...

" صرت اعمل دون انقطاع..و كأن كل ما لدى للتقدم فى حياتى كان موجوداً لكن ملطسم و ترجمة نصه عندك..صورتك فى ذهنى..ابتسامتك..كيانك.وجودك..كل هذا كان اعظم حافز لى على مزيد من العمل دون كلل..انتِ..انتِ شىء قيم جداً..اعظم من قدرة كلماتى على الوصف..و شىء بهذه القيمة يستحق للمرء ان يكابد من اجله..."
الانسان قادر على الطيران..حقيقة علمية جديدة و صادقه..لكن ذلك لا يتم الا على انغام موسيقى خفية مبعثها كلماته وحدها فقط...

" انتِ..هل تعلمين ماذا صنعت بحياتى ؟؟ لقد اعدتِ خلقى بأسم الحب..ما اروع ان يجد الانسان ذلك الواحد الذى يجعله يكتمل..الذى يبصره فى ذاته بجمال لم يحسبه موجوداً..من يرى عيوبه مزايا..و مزاياه معجزات الاولياء..معك توقفت عن التفكير..توقفت عن الادعاء..اخرجت نفسى للنور الى مخلوق للمرة الاولى دون تجميل..ولِدَت افكارى و حَيَت احلامى..فكرتُ مراراً:" طالما هناك شخص بهذا الجمال يحبنى..فلابد ان بى شيئاً جميلاً.."..لقد جعلتنى استشعر الجمال فى روحى و ارى من خلاله كل ما فى الدنيا جميلاً....."
الحروف تتقافز على لسانها مثل العبرات فى مقلتيها , و كلاهما لا يجد متنفساً للخروج..فتشعر بثقل عجيب..امتزجت فيه الرغبه فى الانصات بالتوق الى الكلام..لكنه استوقفها بهدوء..

و لوح بيديه فى الهواء يعرض قضية ما...
" المال...اعتدت التفكير مراراً انه ما ينقصنى فى الحياة لأصير سعيداً..و الا فما غيره ؟؟ كل عناصر حياتى الاخرى مكتملة - او كذا كنت اظن- و لا يُفتقد سواه..و لو لم تكن السعاده فيه , فهى على الاحرى خيال غير ذى وجود ! "

نظرة يعود بها اليها بعد حيرة..ناج التجأ الى صخرة من موج بحر عاصف...
" من خلالك علمت ان للسعاده فى الحياة مواطن مخفية لا قدرة للمال على الوصول اليها..بحثت كثيراً عنها غير عالم انها هنا..لديك انتِ..ان اكثر ما سبب لى الفرح فى الدنيا كان الشىء الوحيد الذى هو اثمن من ان يقتنيه المال..كان قلبك..."
هى..هى دون سواها...

" قد يأتى المال بعد ذلك فى حياتى وفيراً..لكن ما قيمته ان لم اتشاطره معك كما نتقاسم الحياة و الاحلام ؟؟ "
نعم ما قيمته ؟؟ اخيراً يلقى منظاره الاسود الى النسيان و يرى العالم بعيونها البُراء...

" قائمه طويله تلك التى ولدت فى ذهنى و انا احلم بهذا الراتب..تمازجت بذكريات من وجهك الصبوح..ماذا هو المال صانع لك و ماذا هو صانع لى ؟؟؟ ياله من كائن محير فى قلته ووفرته..وجبة غذاء فاخر على مركب نيلى ؟؟ جوهره ثمينه تستمد ضياها من سيماء نور وجهك ؟؟ ذهب..فضه..ماس..ثوب يخطف الابار و لا يقترب من جلال صاحبته ؟؟ كلها اشياء ثمينه للغير لكنها لا توصل المعنى الذى اريد..و انت هى من لم ارى فى حياتى ابسط منها احلاماً و طهارة للنفس..علمت انى لو خيرتك بين كل هذا لزهدت فيه على اجماله و لقلتى صادقة : حلمى ان اراك سعيداً..."
و مازال حلمها الابدى المتجدد الممتنع عن التوقف...من بين كل ما ذكر لم تشته سواه...

" و انا حلمى لن يكتمل الا باسعادك و لو على  اقل بالعرفان..لو كان هذا المظروف حاوياً لمملكتى من الدنيا فأنت مليكتها..انت من صنعتها و شيدتها و منحتها حافزاً للاستمرار..طال التفكير بى بحثاً عن الهدية التى تستحقينها فلم اجد سوى كل ما امتلك ليدانى قدر ذلك الذى تستحقين ! "
ما هذا الذى يقول ؟؟ تشعر به يفتح فاه ليتحدث..لكن لا كلام يخرج..او ربما هو خارج لكن على الاستيعاب عصى عسير...

" هذه مملكتى و انا اتوجك على عرشها الى يوم ان اموت...مهما تعاظمت او قلت..فمآلها لك..لقد منحتنى قلبك بالمقابل…و هو عندى اثمن من كل كنوز الدنيا......."
عجز عن الرد..عجز عن الفكر..عجز عن الحركة..تخبط فى العقل و اللسان..و حيرة مشدوهة و ارتباك عميق..و فرح و قلق و حزن و تأثر و اغتباط..و ملايين الجزيئات احتشدت لتكون عنصر جديد قيد الاكتشاف...

و لم تزل على دهشتها و هى تنهل من معين كلامه حتى انصرف و هى لا تشعر..ليست دهشة..انما ذهول لا يترك اى مكان لذرات تعقل تعين على التفاعل مع رواهن الامور..فظلت ببصرها الهائم معلقة الى حيث كان يجلس حتى علمت انه انصرف....

حتى المظروف المتخم نست كل شىء عن وجوده حتى اعادت لها امها احياء الذكرى و قد تلاعب بها عقلها محولاً الموقف الغريب الى مجرد حكاية متخيلة..لكن ملمس الورق بين ايديها حقيقى..و النظرة المختلسه الى مكنونه فضحت العديد من الاوراق المالية عالية القيمة..و النظرات الحيرى المرسلة من عينيها الى عينى امها على ذات اللون و الاتساع و البراءة لم تش بمعرفه تفوق تلك للسائل...

لم فعل ذلك ؟؟
لم يصر كلما آلفت شخصه و شعوره ان يعود من جديد فيخلق فى عقلها المفاجأت كفقاقيع صابون متناثرة فى ارجاء بهو كبير؟؟ مع شخص غيره تفكر الف مرة فى مغزى كل تصرف , لكن معه تترك لقلبها مشقه التفسير..

هل يشكرها ؟؟ هل يخبرها بطريقة ضمنيه انه قوى قادر على اسعادها ؟؟ هل رغب فى سماع كلمات ثنائها كعادته ؟؟ و لم ترهق نفسها بهذه الاسئله ؟؟ معه تسلم بما قال..و تعلم انه معها يتصرف بسجيته دون تفكير فاعلاً لما يقول..

كان اعتقادها المسبق ان شاغلها الاعظم بعيد هذه الزيارة المجيدة , سيكون الاراء المفصلة لكل اهل الدار فى الوافد الجديد..لكن عقلها تشاغل بأمور اخرى..حتى انها لم تستجب لمداعبات امها الخبيثة و هى تمازحها و تسأل :" اتريدين ان تعرفى رأيى ام لا ؟؟ " و لم نتعب انفسنا بالسؤال عن الواضح المبين ؟؟ و لم نترك اموراً مستغلقة ساحرة على علاتها دون تقليب ؟؟ للذهن امور اهم تشغله..

استلقت على فراشها مبكراً عن المعتاد و نظرها بالسقف المزدان معلق..و مظروفها او مظروفه مستكين على صدرها المتراقص تحت ايقاع النبضات..و هى تشعر فيه بثقل المعنى فوق كل مظهر حياة..

مملكة..
مملكة كاملة من رعايا و امراء ووزراء و سفن و سيارات و طرق معبده و صحارى قفار و مزروعات خضر و مطر و شمس و ربيع و خريف و حبوب لقاح تتطاير فى الهواء و كل آى الموت و الحياة..و هى ملكة من زمن الاندلس موشاه بتاج من نور و مستكينه على عرش جميل من الورود الحمراء...

ما احلى الاحلام..و ما احلى الاشخاص الذى يداعبون بوابتها و ينقلوننا الى عالمها دون صعوبة..ما اروع هؤلاء الذين هم فى ذواتهم..حلم مستعصى التفسير لكنه جميل مستساغ...

و الآن..
نفذ وقود الذكريات و معه قدرتها المتأنيه على تجميل الواقع بقدر المستطاع..فلم يعد لها سوى صوت الصخب و انفاسه الغير منتظمة و نظراته الفاره البعيدة و صمته الثقيل....

" انت تريد ان تتركنى اليس كذلك ؟؟"
سألته فى اهتمام بغير قلق و على دراية مسبقة بطبائعه و طبيعه جوابه القادم..

نظرات الدهشة التى لم تطل..ثم عادت هاربة حيرى و كأنها تذكرت موقفها السابق..و لا توجد اسئله حمقاء على غرار " كيف عرفت ؟؟" او انكار بدافع الِمطال..هو يعرف انها تعرف كل شىء ببصيرة قلب حاد...

" من حقى ان اعرف..لم ؟؟ "
مازالت التقريرية هى طابع حديثها و ان لم يخل من حنو كذلك..كأنه طفل تترفق به فى استجواب حميد..لم يصل الخبر بعد الى مجامع شعورها فظلت هادئة باديه التماسك...

منكس الارض فى خزى و عار لا مبرر له..و نظراته لو اوتيت قوة ما من التركيز , لأختلقت فى الارض ثقباً اسوداً يلتهم الضوء و كل مظاهر الحياة...

" انه ذلك الهاجس...."

قالت له و هى تفطن الى الحقيقة للمرة الاولى و صوتها يتهدج بطريقة عفوية ماتزال محافظة على هدوئها
" ستتركنى بسبب هاجس ؟؟"

عتاب..عتاب..
و قسمات وجهه تنقلب..يشعر كم ان ما يقوله على قدر وافر من الحماقة..لو كان لسواها لما قاله..هو عالم انها متفهمة لما يقول و ان ليس عليه مزيد من التفسير...لكن الكلمات خارج حلقه و بعد تساؤلها اكتسبت عنده غرابه مذمومة...

" حينما اكون معكِ..حينما انظر الى عينيك..اشعر بقوى خارقه تمكننى من فعل كل شىء..لكن حينما انفرد الى ذاتى و مخاوفى..اعود فأظن انى اصارع طواحين الهواء.."

" اذا تزوجنى و لك عيناى مدى الحياة !"

فهمت معنى فرار نظراته الآن..الشىء الذى يهبه القدرة الخارقة يستلهم منه الضعف و الاذعان الآن..يخشى لو افاض النظر فى بحور عينيها لعاد الى سابق عهده المحبوب...

" لا اريد ان اؤذيك..."
تكره التخاذل و الاذعان الذليل فى صوته..تكره الاستسلام الخانع..اعتادت ان تعشق انها ذلك الشخص الذى انفرد بلحظات ضعفه المخفاة و اودعتها صندوقها الامين من السرار...اما الآن فتلك لحظة لا تطاق...

" لكنك تؤذينى الآن فعلاً...."

مازال كما هو...
مازال لم يتغير..مازال فاقداً للثقة بذاته و بالحب و بالدنيا و بالناس و هى لم تعد هذا الاستثناء الوحيد كما اعتادت...شخص يرى فيه العالم كل مقومات النجاح بينما لا يبصر فى نفسه الى علامات الفشل..شخص يسارع بالتسليم المبكر قبيل معاركه خشيه خسارة ابعد هى ما تكون عنه...

مازالت فى ثنايا فكره السقيم " ستُؤذى" ان ظلت هنا معه فى عالمه الذى احبت و اختارت بملأ ارادتها..يبعدها بهدوء ظاناً منه انه اب يقسو على ابنائه كى يعرفهم الصواب..و ان فى ذلك اعظم معانى الحب و لو تغطت بالقسوة ! لم يتغير اى شىء...

نظر لها للمرة الاولى بمعانٍ عميقة..فلمحت هذه النظرة المحمرة فى عيونه المسهده و نفسه القلقة الحائرة الرابضه خلفها..

" ما كنت لأؤذيك و لو كان ذلك يعنى فناء حياتى !..."
كلام جميل منمق لكن ماذا نفعل فى الواقع الحادث الآن ؟؟ لا احلام من فضلك..هذه دنيانا..

ماذا عن قلبها ؟؟
ذلك الكائن الهش المستتر خلف بوابات لا حصر لها و جنازير قاسية تحميه من كل هؤلاء الاوغاد ناقصى الايمان بالحب و معنى الحياة..وحده تركت له سجية التصرف و تركت له عن عمد الاقفال نصف مفتحه فلا يبذل سوى ازهد مجهود حتى يجد ذاته هناك فى تلك الارض المقدسة التى لم يسبقه اليها مخلوق..

تركته بسلاسة يفض بكاره قلبها على كلماته العذبه , التى هى فى ذاتها بكراً لم تطأ اذان قبل ان تدخل مسامعها..شخصان بريئان يجدان الحب و يتلمسانه فى ذواتيهما للمرة الاولى معاً..يخبران السحر و الحلم مجتمعين..لكنه الآن يترك يدها فى العدم و يخبرها انه مرتحل الى الارض من جديد..بعد ان وثقت به و بقدرته على الملاحه عاد ليخبرها انه ربان متواضع..و تركها هناك عالقه بين السماوات و الارض...

هذه المرة هو يعتقد انه يؤذى ذاته ليريحها..لكن الحقيقة انه يؤذيها هى ليريح نفسه..للمرة الاولى لا تبصر فيه سوى الانانية المفرطة على شىء من الطفولية...

فتحت حقيبتها و اخرجت منها ذلك المظروف القديم..لماذا احضرته الى هنا ؟؟ انه هاجس كذلك الذى انتابه..النهاية الدانية تستوجب اجراءات مصاحبة...

وضعته بهدوء فى ذلك البرزخ المسافى/المعنوى الفاصل بينهما..
" هذا لك...."

للمرة الثانيه يطيل النظرات الدهشة اليها...لكنها هذه المرة هى من تفر منه..او تتركه عامده لتحملق فى الكون من امامها...نظرة عارمه الى المستقبل الذى لأول مرة تفكر فيه دون ان يصاحبه وجهه..ما اقسى وأد الحياة المشتركة !

سارع يقول فى تعلثم و حرارة
" كلا..هذه هديتى لك..ليست للرد..."

ابتسمت فى مرارة
" لم اعد جديرة بعرش مملكتك..."

صمت و قد انتقلت له عدوى المرارة فى الهواء..

" سأنصرف الآن..هل تريد منى شيئاً ؟؟"
قالتها فى هدوء و ابتسام و هى تلملم اشياءاً وهميه مبعثرة..لكنها كانت تلملم شتات نفسها بالمعنى الحرفى...

لمحت فى عينيه نظرة رجاء عجيبة..كأن هناك من يتهدده ليقول عكس ما يريد و يطالبها بفهم المعنى الخفى المغاير لما يقال !

نظرة طفل يرجو لها ان تنقذه من نفسه متى استطاعت..لكن ماذا باستطاعتها ؟؟ فعلتها مرة و هى ليست على المزيد بقادرة..

" كلا..كلا..لا تفعلين..سأحاول اكثر..."

ابتسمت بمرارة شابها عطف و حنو
" كلا..انت لن تفعل...انا اعرفك..."
نطقتها بلهجه الام التى تحفظ افعال وليدها قبل ان تتراءى افكارا و احلاماً فى عقله..و قد حطمه هذا اكثر...

" اتمنى لك الافضل فى حياتك...."
لفظتها صادقه و هى تسير الى بعيد لتنخرط فى الزحام..و تشعر به هناك بطرف خفى من قلبها مازال لم يفارقه , بعده جالس محطم الاوصال معدوم الاراده جثه , بها بقايا انفاس...


خطفها الى عالم الحلم بنعومة ثم تركها تستفيق بسقطة مدوية على ارض الواقع...ماذا يفعل الطير الجريح المحلق فى السماء و قد اكتوى جناحيه بنيران محرقة ؟؟ رفرفه مجنونه تحفظ له اتزانه بعض الوقت ثم السقوط...لا بديل عن السقوط..ترنح ثم الانحدار الى هوة عميقة...

ما نفع الارتواء من انهار الجنة , حين نعود بعدها الى عالم الخطاة حيارى تائهين ؟؟

بقدر ما اعطاها قسطاً من النعيم , باضعافه سقاها الوان التعذيب...

سارت مبتعده , موطنه النفس على النسيان...لأنه لا تَذكُر يتم دون جهد من صاحبه , و هو هناك عاجز حتى عن القيام...

لا دموع فى العين..مظهر متماسك..كقشرة البيضه..هش سهل الانكسار لو انضغط برفق..

و المحصلة الخفية..
قلب كسير يدمى دموعاً..و نفس محزونة..و احلام مشتهاة توئد الواحد تلو الآخر..و حنين مستجد..و شوق عارم فياض الى ايام البراءة..و فكر مشتت..و نفس ضائعه , و بيت شعر حزين يتردد بقوة فى اصداء النفس حتى توارى فيه ضجيج الزحام....

ان تكن تريدنى حقاً..فلِم هجرتنى ؟!

(تمت)