الأحد، 25 مارس، 2012

ساعة زحام…

4073510182_82656f490c

الدنيا ليل و العالم زحام....
انحشرت بهما السيارة عند مطلع الكوبرى الواسع القائم على ضفاف النيل..جعلت تسير حينا و تتوقف حيناً حتى شعرت بتذمره من جوارها فى غير تصريح و شعرت بالعصارة المعدية فى اعماقها تعلن الثورة من الخضخضة المستمرة بين الحركة و الثبات..

و عندما زاد التوقف عن المعقول جعلت تتسلى بهوايتها الاثيرة بالتطلع اللى اللافتات و نقاط الضوء الهائمة فى الهواء..تتأمل اعلانات المنتجات المختلفة و عناوين الفنادق الهائلة حيث يقبع الاغنياء..تسرح فى كل منها حيناً حتى تتمازج بجزيئاته , ثم تنتقل الى غيره ناسية كل شىء عنه..

ربما تكون فى داخلها تساؤل صامت , عن متى يؤمان هذا المكان او ذاك ؟؟ متى تجمعها جلسة من الهدوء و الحب على قمة هذا القرص الدوار الساخر من حركة الناس على الارض ؟؟ لكنها تقتله قبل ان يجن و يقفز الى لسانها و تقول لذاتها قريباً جداً..

و متى يأتى القريب ؟؟ انه فى علم الغيب...

تمل البنايات كطبعها متعدد الانتباهات كالاطفال , فتنتقل الى لوحات السيارات المحيطة و تغرق فى كل واحدة منها حيناً..ترى بعضها و قد احتشدت فيه الحروف لتشكل معنى ساخراً..(ن-د-ل)..(ن-و-م)..(ك-ه-ف)..تتأملها و تتكون البسمات على شفتيها..ثم من جديد تلمح اثر انعكاسه الجاد على المرآه فى منتصف السيارة فتعدل , و توئد البسمة قبل الضحكات...

تأملت سيلويت وجهه المغرق فى الظلمة و هو يركز بحدة فى معالم الطريق..خط شعره تراجع بقسوة تاركاً المجال لجبهة عريضه تظللها زوايا من بقايا الشعر..ذقنه منبته و ملامحه تشى بارهاق اشفقت عليه منه..

الحق انها تتعجب حتى الآن كيف يتحكم الناس فى السيارات ؟؟ تتأمله و هو يبادل فى كل لحظة بين الغيارين الاول و الثانى ووضع الموور المتعادل , و ويوافق فى الدعس بين الدواسات الثلاث فتعتقد انه ساحر..

ذات يوم الح عليها فى تعلم القيادة دون اراده حقيقية منها , فأذعنت تحت ضغطه المستمر..و لكن…هؤلاء الناس هل تدهسهم ؟؟ و تلك السيارات هل تصدمها ؟؟ على الاقل هو الى جوارها فلن يكون مكروه…

امسكت المقود قابضة عليه كأن روحاً تسكنه..ضغطت دواسة الوقود , فقفز الوحش الى الامام كأنه ضفدع و سكن المحرك الى الابد..جعل يفهمها فى صبر عن احداث تناسق بين البنزين و دواسة الغيار و هى تتظاهر بالفهم..بالفعل تدور و تسير حثيثاً..و السيارات من خلفها تزعق و هى تحيا فى عالمها الآخر من القيادة الحكيمة و الفخر بانجاز غير مسبوق..

و الآن يقول لها توقفى..لم يذكر اى شىء عن التوقف..اصابتها الحيرة و التخبط..هل تضغط على الفرامل فقط ؟؟ ام تترك كل شىء و هى ستتوقف بمفردها..هو يصرخ ,  و النفير من خلفها يصرخ , و عقلها يصرخ..

يوقف هو السيارة فى النهاية  بفرامل اليد الصغيرة , و هى تسند رأسها على عجله القيادة و تبكى فى حرقة دونما سبب..بات ساعتها مشتتاً فى المفاضلة بين تهدئتها و تهدئة الجمع الثائر بالخارج…من يومها عاهدت نفسها الا تعود الى تلك التجربة الشنيعه..

تأملت بطرف خفى الصبى الصغير و هو راقد فى طمأنينه على الاريكة الخلفية , فهدأ قلق ما خفى فى قلبها لا مبعث له..هادىء مستكين..ملاك صغير يرتدى (السيلوبيت ) ذى الحمالات و تتساقط خصلات من شعر ناعم على عينه المغلقة و يحوط جسده الضئيل حزام الامان مانعاً اياه من السقوط المفاجىء من التوقف المتكرر..

منذ انجبته و هى تعانى ذات الحالة من القلق غير المفهوم..تتركه بحجرته يشاهد التلفاز..او تتركه عند والدتها فى ساعات عملها..ثم تشعر فجأة بقلق خفى فتترك كل شىء حتى تلقى عليه نظرة , فتطمأن و تهدأ و يعود كل شىء الى مجراه الطبيعى..

استيقظت ذات ليلة من سبات عميق , فى حال من توتر شديد , حتى شعر زوجها بها و قلق فى منامه هو الآخر..تركت  اقدامها الحافية تقودها على البلاط المثلج الى حجرة الصغير فوجدته على مهده يبكى..من ساعتها تعلمت الا تخالف احساسها بالقلق عليه , رغم انه احياناً كثيرة ما يكون كاذباً...

تعمل كمدرسة لأطفال يكبرونه ببضعه اعوام..

حينما اختارت هذه المهنة , كان حافزها الاساسى هو حبها الاثير للاطفال , و توقعت لهذا الحب ان يزداد مع الانجاب , لكن على عكس ما ظنت , طاقتها على الاحتمال قلت , و كأن قدرتها على اعطاء الامومة لم تعد قابله للتوزيع..

الاطفال اشقياء حقاً و قد كفوا ان يكونوا ملائكة..طنين..طنين لا ينتهى طيلة النهار..ما بين اوامر و زجر عن النَفَس و الكلام و الحركة..شياطين صغيرة مليئة بالطاقة و الحياة و مهمتها هى حبسهم فى قماقم امينه..

و مع الوقت..بين بيتها و بيت امها و المدرسة..لم تعد تستطيع..و حين تعود اخيراً الى البيت تشعر بالطنين فى عقلها مستمراً برجع اليم..لكنها مع الوقت..تعتاد الالم...

زوجها طبيب..

تأملت من جديد بروفايل وجهه المظلم..يضىء حيناً بفعل اللافتات الوهاجة ثم يعود فيختفى..تحفظ ما تقدر عليه من ملامحه و قد راودتها تلك الفكرة المجنونة انه شيئاً فشيئاً يتسرب من وعيها..فهو الغائب الابدى..ما بين النيابة فى الكلية فى الصباح و مهنة طبيب الطوارىء فى المستوصف ليلاً , هو تقريباً غير موجود..و حينما يتواجد تكون الحاجة الماسة الى النوم سابقته..و ذلك الاعياء..اصبح تركيباً اساسياً فى وجهه..كم تشفق عليه..و كم تفتقده..

و فى الوقت ذاته لا تستطيع ان تقاوم الهاجس المستمر انه كما يتسرب من وعيها فقد هاجر الى الابد من وعى ابنها قيد التكوين..الصبى لا يرى اباه..ربما تحدث لأول مرة و نطق (بابا) و هو غير موجود , كما كان الامر مع خطواته المتعثرة الاولى..كيف سيكون الامر ساعتها ؟؟ كعادتها تحول الهاجس الى واقع و شعرت بالقبضة البارده تعتصر قلبها , و دعت الله ان يدفع هذا و كأنه حادث لا محالة...

الطريق ينفرج قليلاً..يفرغ توتره فى دواسه الوقود من تحت قدمة المكبوته الجائعه للانطلاق , ثم يُحبَط كل شىء بتوقف جديد..شعرت به و هو يزفر فى ضيق..بينما هى تشاغلت عنه بمراقبة القوارب السابحه فى عمق النيل , تسمع الانغام العازفة على جوانبها من هنا , و ترى الناس فيها بين رقص و تصفيق , فتتوق نفسها الى اللهو و الانطلاق , و تشعر ان فيها قوة و حرية تتفوق على كل هذا الزحام , فقط لو يهدأ هذا النفير قليلاً..

اليوم هو يوم العطلة..اليوم البسيط الذى يجود به الزمن لتتلاقى فيه تواجدتهما معاً..

تذكر اياماً سوداً كان صاحب المستوصف يجبره على العمل فى ايام العطلات بحجة ان الطوارىء لا دين لها و لا راحة..اجبِر يوماً على النزول فى الثانية بعد منتصف الليل لأن هناك مصاب ينزف بغزارة فى ارجاء المستوصف اثر شجار عنيف , و لا يوجد من يحسن التصرف غيره..و لماذا لا يتصلون بالاسعاف ؟؟ لماذا يجب ان تكون انت ؟؟ ابتسم اليها دون رد و هو يطرد النعاس عن جفونه…

جعلت تجهز له ملا بسه على عجل و هى ترجو فى قراره نفسها ان يعدل عن قراره , فى آخر لحظة , و يستقر هنا الى جوارها كأن شيئاً لم يكن..

لمحته و هو يقف على عتبه دارهم استعداداً للنزول , فتذكرت حقيقة هامة جداً..انها تخشى الظلام , و الوحدة , و الوحشة , و الاشباح..

دمعت عيناها قليلاً كطفل..تعلقت بكتفه ترجوه المكوث اطول..بينما هو يمازحها و يربت على خدها و يغادر المكان فى هدوء..

لكنها لم تكن تمزح..لم تكن تمزح و حرى به ان يفهم ذلك...

جرت ساعتها الى ابنها حديث الولادة الذى لم يتم اشهراً معدودات ,  و احتضنته فى نومته طويلاً طويلاً حتى شعرت به و هو يذوب فى صدرها غير خاشية من استيقاظه , و بكاؤه بل و لربما متمنية ذلك..

شعرت فى الصغير بطاقة تفوق حجمه المتصاغر الى ساعد يد..تلمست فيه عبق والده و امانه فأغرقته فى حضنها حتى زايلها القلق و انتظمت انفاسها مع انفاسه ,  و من جديد استطاعت النوم , الحافل باضطرابات الكوابيس...

فكرت و هى تنظر اليه من جوارها الآن..كيف تخبره انها تفتقده ؟؟ تخشى و هو الى جوارها الا يكون فجأة..كيف تخبره انها تشعر انه معها و ليس معها..كيف تخبره انها لا تشعر بالامان ؟؟

من كان منهما يحب الآخر اولاً؟؟
الطبيب لا يتزوج الا طبيبة او مريضه , لأنه لا وقت لديه لحياة اجتماعية خارج هاذين النطاقين..لكنها لم تكن ايهما..كانت جارته و احبته من قبل ان يتحول الى طبيب..تفتح عليه شعورها بالحياة و تعلمت منه الحب..فلم تدرك هل احبته ام خلقت لتحبه..لم تشغل نفسها كثيراً..الحيلة الحقيقية كانت ان لا تظهر ما تبطن و تخلق الحب لدى من تحب من عدم..و قد كان...

صارحها بأن حياته صعبه فلم تهتم..صارحها بأن الايام الاولى هى الاشق فلم تعبأ..فما بالها الآن ؟؟ ما اعطاها الا ما عاهدها عليه ؟؟ فهل هى من الضعف الذى احتسبه ؟؟ كلا..هى لا تضيق بصعاب الدنيا قدر ما تضيق انها تكابدها وحيدة..هى لا تريد الترف..هى تريده هو..و هذه الحقيقة العصية تزحف على اطراف لسانها باحثه عنه فى قلب العاصفة ثم تحجم...

صوت النفير عالٍ جداً و رائحة العوادم قاتله..تود لو تضع يدها على انف الصغير بخرومها الدقيقة لتمنع عنه كل شرور الحياة..

الجو به لسعه بروده قارسه , و مع ذلك تشعر بذلك اللهيب الساخن يكتنفها من الاعماق..منبعث من منابت روحها..و يتشكل هناك ليتجمع فى صورة تنهيده حارة و زفره مثقلة عبقت الجو من حولها..

ماذا سيكون اليوم ؟؟
حاول فكرها ان يعلو على صوت الابواق و الالفاظ القاسية لمطلقيها و هى تكمل ما رسمت من خطط لأتمام هذه الامسية من قديم..تحولت الى واحد من طلابها , الذين تعلمهم الاساسيات الاولى لقهر العالم..اجازة محدودة و خطط لا نهائية..و الساعات تنفذ فى الطريق..

فجأة ارتج كيانها و الوجود اثر صدمه عنيفه..

سمعت الصوت فأهتز كيانها كله..و شعرت بجسدها يندفع للامام تحت اثر القصور الذاتى , فلم يحل بينها و بين الاصطدام بالزجاج سوى اليد الصارمة له تحول دون المصير الدامى..

حوطت الصغير بالاحزمة و نست نفسها كعادتها..يجب ان تحرره منها الآن , لأنه يبكى بحرقه و قد شعر بالمها كما تتحسس لألمه..يجب ان تحتضنه و تذوب فيها و يندمج معها و تنهل منه الامان و تعطيه له دون حساب..

لكن اين هو من حماها من الاذى ؟؟
انه بالخارج يتشاجر و يزعق مع صاحب السيارة الخلفية قليل التحكم بانعكساته , و قد اغراه تمدد الزحام و تلاشى التوقف بالطيران..

انه حار الدماء فعلاً..صور لها خيالها القاتم انه سيُؤذَى..انه لن يتوقف حتى تسيل الدماء فى اى من الاتجاهين..و صاحب السيارة الاخرى يبدو فتياً..و هو مرهق ضعيف لكنه يكابر..اخذت تحتضن الصغير فى قوة حتى كف عن البكاء و كادت ان تبدأ هى..

تعرف كيف يحب هذه السيارة و كيف كد فى تحصيل ثمنها بالاقتراض و السهر فى العمل..لكنه لا يعرف كم تقلق عليه هى فى هذه اللحظات..عليه ان يتوقف حالا و الا جنت...

ظهر المخلصون من لا مكان و قد لاحظوا الاحتدام..كما ان قائد السيارة الاخرى كان عالماً بخطأه فلم يزد فى الشجار..و لم يزعق الا و قد اخذته العزة بالاثم...

الطريق امامهما تنداح عنه السحب و يظهر ممهداً جميلاً للسير دون عوائق..عاد اليها و عاد معه انتظام دقات قلبها..كانت ملامحه قاسية على غير العادة..لكنها تعرفه و تعلم ان خلفها يختفى اطيب قلب فى العالم..جعل يقلب فيها و الصغير..انتما بخير ؟؟ نعم..نعم نحن كذلك..المهم انت...

سار بالسيارة و هى تسمع دقات قلبه العالية بوضوح..احتشد الغضب بداخله دون تفريج..تشعر به..

لكن لماذا تشعر بسعادة ؟؟ او هو شعور غريب لا مسمى له , لكنه شعور ايجابى جميل , يخلق بين جنباتها النور..تتذكر ملمس يده على قلبها و هو يحول بينها و بين الاصطدام الوشيك..حركة لا ارادية محضة , كانت فيها اول من قفز الى وعيه حتى قبل نفسه..

هو يفكر فيها مثلما يشغل بالها القلِق..ربما لا يستطيع التعبير عن ما يجول بخاطره لكنها هناك..

هل يذكر ان هذا ربما يكون اول تلامس لهما منذ شهر كامل ؟؟
هل شعر بهذه الرعده الخفيفة التى سرت فى اوصالها كأنها كهرباء استاتيكيه ناتجة من تفريغ شحنات ظلت محبوسة طويلاً ؟؟

اصبحت كالوردة..اتى عليها الربيع مع اقل ندف من ماء الجو..فتفتحت اوراقها بقوة و اشرقت بتلاتها محيية الضوء..عادت الى الوجود بعد الذبول..

هل تخبره انها مغتبطه لهذه الصدمة ؟؟ كلا.. كلا , سينعتها بالجنون..ليكن هذا سرها الصغير مع جبل آخر تضمره فى نفسها...

عاد الزحام..لكن اجمل من ذى قبل..ما اروع الزحام فى قلب النيل..
ليته يطول..ليته يطول الى الابدية...

فكرت طويلاً فيما سيفعلانه حتى هداها الله الى الحل بغير حيلة منها..ليظلا عالقين هنا الى ان ينتهى الزمان..وليدها مدفون فى صدرها غائب فى سنة عميقة..و هو الى جوارها..حاضر بروحه و قلبه و كيانه..

كررت فى سرها مرة اخرى مأخوذة : ما اروع الزحام !

رأت يده قابضه على محرك الغيارت..بطرفه النهائى المكور ككوكب الارض..

ادنت يدها منه و جعلت اناملها تتسلق ثنايا اورده صخر يده الجاف , و تبعث فيه الحياة و تسقى صباره الذى اضناه العطش...

نظر اليها فى عمق و قد نجحت بطريقة ما ان تنقله للحظات الى عالمها الخاص و تجعله ينصهر فيه...

حتى دوى النفير...

نفير زاعق عال جداً كأنه سباب حلقى ينبعث من حنجرة غليظة..انتزع كلاهما من عالم الاحلام بقسوة غير مبررة...اصابها الفزع فعادت تضم وليدها الى صدرها بقوة..بينما هو ابرز رأسه من نافذته المفتوحة و قد توثبت نفسه الحارقة للشجار مرة اخرى

" الا ترى ان الطريق مغلق؟؟ يالك من (.............) "

و تعالى لغطهما حتى غطى على اصوات باقى السيارات..فلم ينتهيا الا عندما عادت للطريق الحياة و انفرج الازدحام نهائياً...

سارت بهما السيارة نحو مجهول..

حاولت احياء الاجواء و بث فيها انفاس الحياة..حاولت اناملها ان تعود الى وضعها , لكنه سحب يده دون شعور ليضعها على المقود و قد غابت حاجته الى تغيير السرعات و صب نظره على الطريق المنبسط من امامه..

بينما هى اعتراها الضيق صامتة , فاشاحت بنظرها الى النافذه المجاورة..تتأمل صفحة النيل , و تغرق فى عالمه , و كلتا يديها يحوطان وليدها بقوة....

(تمت)