الجمعة، 3 فبراير، 2012

لأننا قبيلة من الهمج….

 

_2_~1

ما الذى افكر فيه عندما اشرع فى كتابة اى موضوع ؟؟؟
اننى قارئه الوحيد..انه محض بعثرة كلمات لا تمرها عين غريبة عنى..و هذه تقنية تعلمتها عن استاذى الذى لم اشرف بلقائه بعد د.أحمد خالد توفيق..و نصيحته لكل مبتدىء..انت نكرة..انت لا شىء..لا احد يهتم بما تكتب..و بهذه الطريقة العجيبة يتحرر عقل الكاتب الصغير من الهواجس و المخاوف و يكتب كل شىء فى حرية..من الصعب فعلاً اطلاق العنان للكلمات و انت تشعر ان هناك الف ممن يراقبونك..لو تهت فى هذه الفكرة فلن تكتب حرفاً..

 و على ذكر الدكتور احمد...
كانت امنية حياتى الدائمة ان اقابله و ان اعرض عليه بعضاً مما اكتب..ظلت الفكرة و ظل الحلم متيقظاً لفترة طويلة و لم يخب حتى لحظتنا هذه..صارحت واحدة من معارفى الاعزاء و هى (ياسمين سعيد) بتلك الرغبة فبادلتنى اياها و اشارت ان شىء كهذا ممكن فى القريب العاجل بحضور الندوة التى يعقدها الدكتور فى معرض الكتاب...لم اشعر بالسعادة لكلامها لكنى لم اظهر..رجوتها ان تقرأ ما كتبت اجمالاً و تخرج منه بما يستحق العرض على الكاتب الكبير..غابت اياماً ثم عادت برأيها..فى الواقع ملاحظتها كانت قاسية جداً..فهى لا تعرف المجاملة فى الرأى الادبى..و المشكلة انى اثق بما تقول جداً و اعدها من احكم العقول فى النقد التى قابلتها فى محيطى الضيق...المشكلة ان كلماتها مست انطباعاً خفياً كان فى نفسى اداريه بعيداً عن عقلى الواعى..هى قالت ما فكرت فيه مراراً و عجزت عن البوح به او ترجمته الى خطوط واضحة..

و الآن يجىء اليوم الذى حلمت به طويلاً متيحاً الفرصة لرؤية الكاتب الكبير رؤيا العين فاذا بى امتنع و انشغل بكتابة هذا الموضوع...لم ؟؟؟ الامر هو ذاته الحادث لبائع القوارير الشيخ الذى عمل عنده الشاب بطل قصة الخيميائى..كان يحلم بالحج منذ زمان..و تعلل قديماً بعدم توافر الامكانات اللازمة و لا المال لتلك الرحلة الشاقة على ظهر الجمال...لكن الشاب تعجب كثيراً من كلامه و تقصيره عن ملاحقة حلمه و قد اصبحت كل الظروف مواتية فى تلك اللحظة...فعلل له الشيخ انه اصبح يجد متعته و هو يسمع اخبار عن الحجاز من العائدين من الحج..اصبح يجد ازجاء اوقاته فى تخيل كيف تبدو الكعبة و كيف يكون الطواف و اتمام المناسك..صار يحيا حلمه فى الواقع الف مرة حتى صار فى ذاته حقيقة اكبر من الحياة...يخشى لو حج فعلاً  فلا يكونن شىء مما تخيل..و يتقوض كل ذلك العالم الجميل الذى عقده على الامانى و الاحلام....

ماذا لو قابلت الكاتب الكبير الآن و صارحنى اننى بلا موهبة و لا مستقبل؟؟ ماذا لو ربت على كتفى و قال ان طريقك فى الطب فلا تشغل بالك بالادب؟؟ ماذا لو كان كلام (ياسمين) كله صائباً؟؟ ماذا لو صحت مخاوفى و دبت الحياة فى هواجسى؟؟ كلا..افضل ان احيا فى حلمى على ان اقتله بيدى..افضل ان اضيع فرصة فى شىء تمنيته من قديم على ان يظل فى نفسى امله قائم...حقيقة حزينة..؟؟ لكنها حقيقة للاسف...

لهذا - و على ضوء كل السالف سرده- اصبحت من اشد المعجبين و المؤيدين للثورة بعد ان كنت فى بادىء الامر من المناهضين لها..او على الاقل من الغير مؤمنين بجدواها او ناجعيتها...لأن من قام بها شباب لم يخشوا الحلم و مطاردته..لم يمسهم الجمود المكتسى لأرواح الكبار و المانعهم من الطموح و الحياة..لم يخشوا الحرية و لم يتخوفوا منها بحجة انها شيئاً لم يألفوه..بل ارادوا الحياة و صنعوها متحديين كل الظروف..و هذه الظروف مازالت قائمة و تتجدد باستمرار عجيب فى كل دقيقة..و مازالوا هم صامدين..لكن الى متى؟؟؟

منذ يوم او اثنان..كنت جالساً فى عيادة الاسنان الصغيرة الملحقة بمستوصف لمسجد كائن فى الخصوص..مكان متواضع جداً..لا يؤمه المرضى و لا يسكنه الا المرض و الفقر..الطبيب فيه ما هو الا سد خانه..يذهب و يجيىء اليه كل يوم حتى يفاخر امام اهله انه قد دخل عالم العمل...رحت اتسلى بعد الشقوق على الحائط و ما تحتويه من بيوض الصراصير..هناك شق كبير فى هذا الركن بالذات خشيت اياماً ان امد يدى فيه فيفاجئنى ثعبان...اقلب صفحات رواية لنجيب محفوظ فى حجم الجيب مستعداً فى اى لحظة ان ادارى غلافها بكتاب اكسفورد الضخم متظاهراً امام المريض المقتحم لخلوتى انى اقرأ مرجعاً اجنبياً حديثاً فينبهر و يدفع المال دون نقاش و يكفينى قوت يومى....

سمعت همهمة بالخارج و صوت تلفاز عال بغير الادعية الدينية و القرءان التى تشغل هنا طوال اليوم لجلب الزبائن فان لم يكن بفعل المرض فليكونن بفعل الوازع الدينى الذى ينجح فى كل شىء حتى الانتخابات... تركت محفوظ و الصراصير و التعابين و السحالى و خرجت لاشاهد..فوجدت مشهد لنجيلة خضراء مميز لمباريات كره القدم..فتر حماسى..فى الواقع سأصارحك بسر خطير..انا لا احب كرة القدم..و خاصة المحلية منها..و آخر عهدى بها كان يوم خرجت مصر من تصفيات كأس العالم من الجزائر فى السودان..فكرت مراراً ان الامر ربما عائد لخلل فى ذكورتى و انه يتوجب على فحص احدى خلاياى تحت المجهر و هى سابحة فى الطور البينى بحثاً عن جسيم بار..فانا فى الواقع فى هذا استثناء فريد....

لكن ما استوقفنى لحظتها ان الامر لم يكن محض مباراه...فقد تحولت الارض الخضراء..الى كعكه يؤمها لواء من النمل..نقاط سوداء صغيرة تسعى فى شتى الاتجاهات الفوضوية..تتخبط و تقع و تتصارع دون هدف محدد سوى اثارة الشغب...العاب نارية تتطاير فى الهواء..و طوب..و ضرب..و اشتباكات كأنه مشهد النهاية من فيلم 2012...سألت ان كان هذا ماتش القمة الهزيل من خصمين غير متكافئين احدهما يخسر باستمرار قالوا كلا..هذا ماتش الاهلى و المصرى فى بورسعيد...ما الذى سبب حالة الاحتقان الغريبة هذه؟؟ لمحت الرأس الاصلع لحسام حسن و هو محمول على الاعناق..هل صار يدرب المصرى؟؟ يبدو اننى حقاً فى غيبوبة..ام تراه نجيب محفوظ هو السبب؟؟

لم اعرف الابعاد الكاملة للموضوع الا بعد ان انصرفت اجر اذيال الخيبة المادية من المكان حاملاً روايتى لأكملها فى فراشى بعد مشروب دافىء..الامر لم يكن هزلاً..بل هو مجزرة حقيقية..راح ضحيتها اكثر من سبعين شهيداً و مئات المصابين و الجرحى...و متى؟؟ فى الذكرى السنوية الاولى لموقعه الجمل…موقعه الجمل راح فيها حوالى عشرون شهيداً و طار لأجلها رئيس..فماذا سيحدث الآن؟؟ لابد انه الدمار الشامل على رؤوس الجميع…كذا فكرت…

الحكاية من البداية..جو من الاحتقان العام حوط المباراة باتهامات متبادلة بين الفريقين..القاء طوب على اتوبيسات مشجعى الاهلى و فريقه..تواصل الالقاء خلال المباراه..حتى القيت واحده جوار الحكم فازاحها و اكمل المباراة بطريقة عجيبة ناسياً ان مصر خرجت من تصفيات كأس العالم ذات مرة باعاده مباراة اثر حادثه مماثله...الجمهور البورسعيدى متحفز متوعد للجمهور الخصم من اول لحظات اللقاء..ثم تحدث المفاجأة و ينتصر المصرى و مع ذلك تحول غضب الجماهير الى قوس مشدود عن آخره يجب ان ينطلق و يحدث الاذى المطلوب بأى طريقة...

اكتمل رأيىّ فى ذهنى و تكون التحليل عندى كاملاً..لكنى آثرت الاحتفاظ به كعادتى حتى اجمع كل الحقائق و الاراء..و من اين , ان لم يكن على الشبكة الاجتماعية؟؟ منها انبثقت الثورة و منها تستمر و اليها تعود..بعض التعليقات ترحمت على شهداء و استودعت الله احوالنا و حسبنت على من كان سبباً..جميل...كلنا خالد سعيد..كلنا احمد حراراة..و اليوم كلنا شهداء بورسعيد..اخشى على اللحظة التى يباد فيها كل قاطنى الجمهورية و يقيم لنا الاجانب صفحات حداد تحت عنوان:كلنا مصريون..لم اشعر ان هذا اليوم يقترب؟؟ لندع الله ان لا يكون...

البعض الاخر نادى بسقوط حكم العسكر فلم اندهش..سيكتبونها حتى لو حولوا مصر الى جنه توزع فيها الاموال دون مقابل و انا فى الواقع معهم قلباً و ظاهراً..البعض الاخير و هو من عجبت له فعلاً هو من وصف الجمهور بالهمج..كان هذا هو تعليلهم لكل الحادث..شعب مصر شعب همجى لا يقومه الا العصا..ليست المشكلة فى حكامنا قدر ما هى فينا..من ماتوا ليسوا شهداء فهم لم يموتوا الا على دين الكرة..تعليقات عجيبة جداً افقدتنى حيادى المرضى و جعلتنى اصرخ رغماً عنى مقاطعاً راوى النكته التى سمعتها كثيراً جداً : قديمة..قديمة..قديمة...هذا فعلاً مما يفوق احتمالى...

بدأ الامر مع العرض الساخن الذى قدمه شوبير على قناته و هو يعرض هذه الاحداث عقب المباراه..يلقى فى اعقاب الكلام و اللقطات بعض المكائد اللفظية فى الطريق...اين الامن؟؟ مش ده اللى انتو عاووزينه؟؟ مصر بتضيع...ثم القنبلة:قانون الطوارىء....؟؟؟؟؟ و يختتم كل ذلك بعين بارقة و :لييييييييييييييييييييييه؟؟؟؟؟؟ ملعون ابو الكورة….يبدو انه قد نسى انها من تطعمه الملايين كل عام….

كادت دمعه غادرة تخون عينى و تتسلل بين مغارات لحيتى لتعبر عن تأثرى الشديد بمهارة القائه..ثم تذكرت انها لم تفعل يوم وفاة امى..فلتستحى الآن و تتوارى...ليتنى كنت عضوا فى البرلمان القديم القائم على التزوير و التدليس..فلربما كان لى بعض من تلك القدرات التمثيلية فيكتشفنى احد و احصل على الاوسكار فى دورته القادمة....

لكن كل هذا متوقع من فلول سابقين قائم رزقها على النظام القديم و ما يليه..مقبول من  عقول متوسطة الفكر و التعليم يسهل السيطرة عليها...لكن ماذا عندما يصدر هذا الكلام من عقل واسع و متفتح لطبيب شاب اشهد له من بين كل اصدقائى بالنبوغ و لمعان الفكر؟؟ ساعتها الوضع يصبح كارثياً و على كل الدنيا السلام...

فاجئنى بعبارته الرنانه التى ينتقد فيها الشعب كله بالهمجية و التوحش و الجهل..يكره فيها مصر و يلعنها و يتمنى مغادرتها الى جنه موجودة خارج اسوارها حيث الحرية و الكرامة..صدمت..حينما تطال مخالب تشويه الفكر من كان له مثل هذا العقل فالمتآمرون اذكياء جداً..و نصرهم فى معركتهم مسأله وقت..

عندما عارضته فى رأيه محاولاً تبيان الحقيقة له كما اراها..نعتنى بأننى لا خبرة لى فى مناحى الحياة و انى استقى الاخبار عنها من بين دفتى كتاب...(كنت لحظتها ممسكاً برواية نجيب فاسرعت بمدارتها و قد شعرت انه يراقبنى...)...افترقنا اصدقاء مجتمعين على الاختلاف…

نسى صديقى المتعلم المثقف الواعى بشئون الحياة , ان ظاهرة الشغب فى الرياضة ليست صناعة محلية و انما هو داء عالمى معروف و موجود خارج اغلفة الكتب و يدعى
Football hooliganism
و يكنى باسم آخر هو " المرض الانجليزى" نسبة الى ان الانجليز الوقورين المتحضرين اصحاب اكبر امبراطورية غابرة و صناعه و حضارة هم اكثر شعوب الارض تعصباً فى الكرة و تسبباً فى الشغب و التدمير...نسى ان هذه الحوادث تحدث باستمرار من قديم الازل فى كل بقاع العالم من بلجيكا الى كرواتيا الى فرنسا و الدنمارك...و كان اقربها هو الحادث الفوضوى الشهير فى الارجنتين عام 2007..و القذيفة النارية التى اطلقت على ديدا حين كان يحرس مرمى الميلان فى دورى الابطال و تسببت فى الغاء المباراة...

نسى صديقى احداث الجزائر و التى علل هو ساعتها انها محض زوبعه و فتنه زكاها الاعلام لتحريض الناس على بعضها للمداراة على الهزيمة و السياسة بالهاء الناس فى صراعات خارجية لا معنى لها...نسى صديقى ان ازكاء الفتنة سهل جداً..و انها موجودة حية فى كل النفوس جذوة مشتعلة هادئة لا تحتاج الا لبعض الانسام لتحيا..." الفتنة نائمة لعن الله من ايقظها.." حديث مروى عن الرسول و ان كان ضعيفاً….فما هى الا بضعه مئات مأجورة تتسلل وسط الالوف و تنفث السموم و يتحقق المراد...نسى صديقى ان مصر ليست قبيلة يسكنها جماعه من الهمج..بل العالم كرة ثلاث ارباعها من الماء يعمرها همج..كل انسان منا فى باطنه غرائز حيوان..متى غاب تاثير قشرة المخ عنا كان للحيوان السيطرة..يقتل و يهتك و يغتصب و لا يستجيب لنداء عقل..وظيفة الشرائع و القوانين هى  تهذيب هذا الحيوان و ترويضه الى صورة يسهل التعايش معها..فان لم يكن بالحسنى فبقوة القانون و الامن.....
فأين كان الامن من كل هذا الشغب؟؟؟

شوبير يقول ان الامن واقف فى دور المتفرج الذى لا حيلة له..فكيف يضرب و العارك و المعترك من المصريين؟؟ ياسلام..و الشهداء الذى ماتوا فى الثورة كانوا يهوداً؟؟ و اهالى الشهداء الذين ماتوا بعد السلمى و احداث محمد محمود و عين احمد حرارة و الفتاة المسحولة و الجثث التى القت فى القمامة كل هؤلاء كانوا عملاء من كوكب المريخ الاحمر؟؟؟ رحم الله امناً كان فى مصر يمارس حبكة فيلم ستيفن سبيلبرج كل يوم على نطاق موسع فى فيلمه تقرير الاقلية , بالتنبؤ بالجرائم قبل وقوعها و الضرب على المربوط حتى يخاف السائب و اعتقال البرىء حتى لا يتحول الى مذنب..رحم الله نظاماً كان يلمح اثر الهرمونات على وجوه الشباب فى صورة انبات اللحى و يأخذهم فى زيارة الى صالات امن الدولة الرياضية المغطاة لقياس قطر الشرج....هل حقاً الامن صار مهيض الجناح معدوم الحيلة؟؟ من امن الانتخابات اذاً و منع الذبابة من احادث القلاقل فيها؟؟ من حرص الا يصيب المخلوع اى اذى طيلة محاكماته و حماه كالرضيع من اى سوء ؟؟ ام ان الامر محض اراده و زر يضغط فيفعل ما يشاء و قتما يشاء..الامن يراقب الجماهير التى تدخل الى الملعب فى هدوء و امان و يبتسمون امام الكاميرات فى ثبات ايضاً...اين المحافظ و مدير الامن؟؟ اين الجيش الذى يحكم هذا البلد..؟؟

لا ادرى فى الواقع ما الذى ينقص حتى يدرك الجميع ان هذا محض حادث مدبر..لا ينقص اللوحة سوى امضاء دموى باسم فاعلها عليها حتى يكون الامر حقيقة لا تحتمل الجدال..البنزين الذى خلقت ازمته من الهواء...القطارت التى يتم تعطيلها عمداً على مرأى و مسمع من قوى الامن الضاربة..حوادث السرقات و السطو...ارهاب بعض الشخصيات العامة مثل اسماء محفوظ..كل هذا و الامن يسمع و يرى..فلا ارى لذلك سبباً هو ان هذا من تدبيره...

الكل تحدث عن الهمجية و العدوانية و لم يتحدث عن دور شباب الالتراس فى الثورة و انهم باتوا هدفاً مطلوباً للمجلس..فأن لم يكن هذا فالفوضى كذلك مطلوبة...

كل ما دار فى عقول الناس عقب هذا هو جعلهم  يتسائلون: هل كنا حقاً بحاجة الى الثورة؟؟ الم تكن اوضاعنا قبل ذلك اامن؟؟ ماذا اخذنا منها سوى القتل و التخريب و الفوضى و الغلاء و ضيق الحال؟؟
ثم يأتى الحل السحرى مشمولاً بالعطف فى صورة حكم عسكرى مجيد بدعوى من الناس...

غريب؟؟؟
كلا بل قديم و مكرر...
فى عام 1954 بعد استتباب اوضاع مجلس الثورة و العمل على انتقال السلطة الى قوى مدنية..اصدر محمد نجيب آخر مرسوماته السلطوية  يسمح بحرية تكوين الاحزاب و ان لا يكون لقيادة الثورة يد فى احدها..و تسلم السلطة الى البرلمان المنتخب الذى يعين بدوره رئيساً للجمهورية بالانتخاب...طبعاً ثار باقى اعضاء المجلس على هذا القرار سراً و قد شعروا ان السلطة تسحب من ايديهم بعد ان شعروا بمذاقها الجميل المغرى للمرة الاولى..فأجمعوا ان يعزلوا نجيب من منصبه و يعينوا جمال عبد الناصر بدلاً منه..مع العمل على تحريض حوادث من الفتنة و الشغب فى مصر و احداث وقيعه بين الشعب و الاخوان الحاصلين على اغلبية فى المجلس الجديد (الا يذكر هذا بشىء ما ؟؟)..ثم قامت اغرب مظاهرات لا يمكن ان تقوم الا فى بلد مثل مصر..تنادى بسقوط الديموقراطية و التعددية و الاحزاب و الرجعية..تريد وضع مقاليد الحكم فى يد مجلس قيادة الثورة و بابا جمال دون انتخاب...و من قام بها مجموعه من المواطنين الشرفاء الهمج طبعاً و لم يكن للمجلس الثورى اى يد فيها....

تلك طريقة ناجحة فعلاً قلما تثبت فشلها...مثل السطر الخالد من فيلم
Inception
ما الذى تفكر فيه عندما اقول لك لا تفكر فى الفيلة؟؟
الفيلة طبعاً....

ان تدخل فكرتك فى رأس من امامك دون ان تبذل جهداً ظاهراً فى اقناعه..بل و تجعله يؤمن بها كأنها فكرته و انت برىء منها و ليس لك عليها سلطان....

البارحة كنت فى المترو..فى اواخر الليل حيث توجد مقاعد خالية يحكى عنها الناس طيلة الوقت لكنك لا تراها..الجلوس المريح فى المترو شهوة عجيبة تتملكنى منذ عرفته..المقاعد تجلس مواجهه لبعضها تجبرك رغماً عنك على الانخراط فى الحوار الدائر امامك بين اطراف لا صلة لك بها و لو حتى باشخاص السمع....

" بس تعرف البورسعادية دول اوسخ خلق الله..."
" آه و الله..."
" دى فى منهم اللى انتن من اليهود..."
لا حول و لا قوة الا بالله...و كأنهم ليسوا مسلمين عرباً مصريين يتكلمون ذات اللسان و يدينون بنفس العقائد و الاعراف..
" امبارح بعد الماتش كنت فى المطرية عند موقف بورسعيد...لقيت الناس بتكسر فيه كأننا فى فلسطين..بصراحة هما زودوها و يستاهلو..."

" فين ايام زمان...ايام ما كان للامن هيبه..يا ريتها ترجع..."
قالها بتحسر و تمنى كأنه ينعى شبابه القديم...
هنا فقدت صبرى اللامبالى ووجدتنى اقتحم الحوار و اهتك خصوصيته
" هو حضرتك عندك شك ان الحادث مدبر؟؟"
" هأو ! مدبر..ليه؟؟"
" عشان تحصل فوضى فى البلد و الناس تقول زى ما سعتك بتقول كده..."
" انت بتشتغل ايه؟؟؟"
" دكتور..."
" ما شاء الله..و عندك كام سنة؟؟"
" 23...."
" يعنى لسه اخضر...بص يا بنى..انا عندى 50 سنة و عارف البلد و الدنيا دى و عايش فيها من قبل ما انت تتولد...."
و اكمل
" احنا شعب همج..ما ينفعش معاه غير الجزمة و سيادة القانون...المصرى طول عمره عدل طول ما على ضهره كرباج..انما تقولى ثورة و حرية..الكلام ده ينفع فى امريكا انما هنا...هأو !"
كنت اتابعه بعين محدقة و قلب و اذن غير مصدقة ان هذا انسان حى و موجود...
" عارف احنا عاملين زى ايه؟؟ زى لا مؤاخذه السوسته..."
ثم مد قدمه امامى يسحق بها كياناً وهمياً كأنه يطفأ لفافة تبغ قبل ان تحدث حريقة...
" طول ما انت كابسها برجلك محبوسة...لو شلت رجلك من عليها هتنتر فى وشك...و ده اللى بيحصل دلوقتى..."
" و سعادتك شايف الحل فى ايه؟؟"
" حسنى يرجع..."
ثم قال مكررا عبارته السابقة و مشيراً لحذائه
" دى عالم ملهاش غير الجزمة..."
ابتسمت فى سرى و صمت...لأول مرة اشعر انى بعيد النظر حين كتبت ديباجة لخطاب اعتذار لمبارك...ربما لو تقاضيت عليه حقوقاً للنشر ووزعته على البيوت من اجل الامضائات لصرت مليونيراً و تركت المرج الى الابد....

عبارة جميلة هى تلك

(نحن جيل فهم كل شىء فحوكمنا بالاعدام...)

من قام بالثورة؟؟...شباب من هذا الجيل الذى مازال قادر على رؤية الامل..مازال يشعر ان فى الحياة المزيد و اننا نستحقه...بينما الاجيال التالية عاشت الذل و الاستعباد دهوراً حتى نست كيف تكون الحرية..تملكتهم عقدة (ستوكهولهم) من فرط ما عاشوا فى الاسر فاصبحوا لا يرون السيادة الا لجلادهم...اصبحوا كالمساجين..يكرهوا بعضهم و يمجدون سجانهم و لا يتخيلون وجوداً لانفاس خارج نطاق الاسوار...

عجيبة هى الايام التى يموت فيها من ينهى عقده الثانى و يحكم مصر من اقترب من اتمام القرن عمراً....
اذكر انه يوم واريت امى التراب كان الكل فى دهشة من صغر عمرها النسبى و كان ساعتها ينقصها عاماً لأتمام الخمسين...فكيف بشاب عمره 14 عاماً ؟؟ كيف بأب ضاع منه وليده الذى لم يتم عامه السادس باكتمال...تنزرع محبه اولادنا فى قلوبنا من لحظات يكونون فيها جرثومة سابحة فى اصلابنا فكيف بهم و قد توسطت اعمارهم الشباب و اقتربت لحظة الجنى و الاثمار...كيف يكون الحزن و الوجيعه ساعتها؟؟؟ هل حقاً لدى تلك البلاد ما هو اعز من اولادها؟؟ هذا صعب..هذا مجاف لقوانين الفطرة..فكيف عندما يكون الثمن بعض مؤخرات مترهلة شاب شعرها تريد البقاء فترة اطول؟؟ ساعتها الوضع يترك نطاق الكوارث ليأخذ محله فى عالم المهازل بجدارة…

كل ما حدث..و ما يحدث..فاعله معروف و جانيه تشير اليه اصابع الاتهام و المحكمة تبرئه…لماذا؟؟  لأن كلنا همج..نستحق ما نحن فيه...

المقال يدنو من نهايته فبم افكر الآن؟؟
هل طال منى رغماً عنى؟؟ هل غرقت فى بحر الاطناب حتى تاه قارئى و انصرف؟؟ هل انا حقاً قارئه الوحيد كما كنت اظن؟؟ هل وصلت صرختى الى من اريد و احدثت الاثر المطلوب؟؟ هل قد اقابل احمد خالد يوماً فيروق له ما اكتب؟؟ هل قد ترى هذه البلاد النور يوماً؟؟ هل تتحرر العقول قبل الشخوص؟؟ هل ينام الشهداء اقراء العيون فى قبورهم يوماً راحة بما صرنا اليه؟؟

اسئلة كثيرة..و الاجابات معدومة او قليلة...لا اجد منها سوى ما قال بائع القوارير للشاب بطل قصة الخيميائى
(مكتوب...)

نعم…كل شىء مكتوب و مقدر عند الله وحده...

و الآن..لابد من عبارة ختامية طبعاً فى النهاية و هى كالعادة ما ولد لأجله المقال كله و الا لصار غير ذا فائده:
" عدوكم واحد فاحذروه..لا تتفرقوا شيعاً فتضيع الحقيقة....اذكروا الشهداء دوماً و ترحموا عليهم و لا تطالهم السنتكم بسوء..احذروا اليأس و تحروا الامل..فلا تشتد حلكة الليل الا قبل بياض الفجر و اشراقه...."….
(ليرحم الله الشهداء و ليسامحنا على ما فرطنا بما ضحوا لأجله.....)