الخميس، 1 ديسمبر، 2011

يوم فى التحرير….(3)

 

cnn

من جديد اعود الى صف المتبرعين بالدم بعد ان ودعت صديقى الثائر , فأكتشف ان مكانى قد تم رتقه..سدت الفجوة التى خلفها اهمالى و حنينى الى صداقات الماضى بفعل دفع الناس و على ان ادفع ثمن تقاعسى و اعود من اول الصف الى آخره دون اعتراض..

الشمس تزداد لهيباً رغم ان الجو شتوى يفترض فيه البروده..بدأ التزاحم فى الميدان يزداد نسبياً عن ذى سابق حتى تاهت البشر و الموجودات فى وسطه…الآن يأخذ طابعاً مألوفاً أكثر….ذكرنى المشهد على الفور بالتعبير القرأنى من سورة الكهف..

"وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ"..

الحديث المذكور عن يوم الحشر فى ساعة لا يعلمها الا الله , لكن المظهر امامى ساعتها لا احسبه مغايراً كثيراً و اظنه ينتظرنى مشهداً مماثلاً فى مكان اضيق هو المترو الذى سأستقله فى رحله العوده الى بيت تركته دون اخطار..

رجل كهل شائب الشعر..يحمل حقيبة يمر بها على صفوف المتبرعين..يحمل فيها بعد البسكويتات و التمر كطاقة اضافية تقى من شر الهبوط اثر نزع الدم..يلح فيها بالطلب على كل واحد و لا يتحرج او يجد غضاضة فى ذلك او فى التباسط و المزاح مع كل من يمره..رغم انه يبدو رجلاً وقوراً فى عمر آباء كل من يمر عليهم تقريباً…

واحد آخر يمر بالماء المعدنى البارد لينقذ الصفوف من اذى الشمس الغادرة التى اتت على غير موعد فى هذا الوقت من السنة....من طلب اليهم ذلك؟؟ لا احد..فقط هم يعملوه دون ايعاز سوى رغبتهم الداخليه فى المساعدة بأى شىء مهما كان بسيطاً..الصروح الضخمة لا تنهض الا على لبنات صغيرة يتم وضعها فى تجاور..و بمهجودات متواضعه كهذه يمكن لكل شىء ان يتغير…يمكن لأبسط البادرات ان تحدث فى نفسك ابلغ الاثر دون حتى ان يدرك صاحبها ذلك او يقصده….

و من جديد يزور عقلى تعبير قرآنى فريد آخر..."وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ"..هؤلاء ليسوا غلماناً و ليس التمر بفاكهه الجنة المطهرة و ليست زجاجات المياه المعدنية  باكواب و اباريق عدن رزقنا الله اياها بعد عناء الدنيا…..لكن هذه جنة ارضيه مصغرة قائمة على التكافل و الرغبة فى العطاء و البذل باى شىء...

اذكر واحدا من المتصافين اعطاه الكهل واحده من حلواه للمرة الثانيه..فعلق مبتسماً...
" انتم تفرطون فى العناية بنا...لا اظن ان امى ذاتها قد تفعل ذلك..."
ابتسم الكهل بدوره فى هدوء و قال
" لك ام اكبر تعنى بك......"

و العبارة فوق مستوى التعليق...امقت الكليشيهات و القوالب و الاقوال الجاهزة لكنى انقل لك ما حدث دون تدخل..فقط اعلم ان نبره الصدق تفقد اى شىء جموده و تكسبه صبغه التجدد حتى لو كان معتاداً او مألوفاً...لا اود لك ان تستخلص من هذا الموقف سوى شىء واحد..

" هذه البلاد تسير فى الطريق الصحيح...ربما هو متعثر لكن كل البدايات كذلك...لا تدع احد يضلك و يخبرك بالعكس..."...

الصف يتحرك..ببطء لكنه يتحرك و هذا هو المهم...اجد نفسى اقترب من السيارة اكثر مع كل دقيقة تمر...آذان العصر..للاسف لا استطيع ان اغادر موقعى من جديد لألحق بالجماعه الاولى..شعرت بالعجز و التشتت للحظات بين الرغبة فى المواصلة و الانصراف للصلاة فأزمعت الانتظار قليلاً ريثما ترفع الاقامة...هذا حل وسط يكفل لى عدم الخسارة فى كل الجوانب..

بعد الآذان دوى من المكبر, صوت لشاب يحث من وجد شيئاً لا يخصه بايداعه فى المسجد حتى يجده مالكه...شىء جميل…كما كان يطلب شيئاً آخر...
" ارجو من رجالنا التقدم لحماية مداخل الميدان...و ذلك حتى لا يتسلل الى داخلنا عناصر تبغى اصطناع الشغب و الاساءة الى مظهرنا..ثورتنا جميله فحافظوا عليها كذلك..حفظكم الله...."

لم أكن قريبا من المداخل التى تحدث عنها لكنى لمست من نبرة صوته الحماسية ان التوصيلية ستسرى سريعاً فى النفوس لتحول كلماته الى فعل منفذ…..

لكم كنت اتمنى لو كان (حازم صلاح) هناك الآن معتلياً المنبر , فأستمع الى واحدة من خطبه الرنانه..اعتقد ان الجماهير تنتظر واحدة منه اليوم ليلاً..سمعت شيئاً عن كونه ينوى تحضير فيها مفاجأة للمجلس العسكرى لم يعرف العالم ساعتها كنهها..لا احسبنى قادراً على الانتظار اكثر حتى اسمعها على الطبيعه و اخترق الجموع الحاشدة لأرى هذا الرجل المحترم رؤى العين....هو الرحيل اذاً و الاكتفاء بالمتابعه الصامته من خلف نشرات الاخبار...

انتهى تواجد الصف بالنسبه لى عندما اصبحت فجأة على رأسه مواجهاً لكابينه القيادة لسيارة الاسعاف بانتظار تسلم اكياس الدم..لقد انتهت الرحلة الشاقة أخيراً و دنوت أكثر من هدفى الذى لأجله افتعلت تلك المغامرة الصغيرة...تناولت من الرجل الكيس المقوى الفارغ الذى يتدلى المحقن البلاستيكى من طرفه و ذهبت الى ما خلف السيارة لأفعل ما انتظرت طيله هذه الفترة لأفعله...

هنا يأتى الشق الشاق على النفس من الموضوع..و هو ليس الحقن او التبرع بالدم ذاته..بل هى العدوى..لا تنس انى طبيب اسنان و احيا طيله ساعات عملى فى حقل الغام اخشى كابوساً يطاردنى باستمرار هو الوخز عن طريق الخطأ بابره ملوثة..طبيب يعرف كل المخاطر و المضاعفات التى قد تصيبه فلا يهنأ بنعيم الجهل ككل من يقفون خلفه..

الطبيب المعالج لم يكن يرتدى القفازات الطبية و هذا لم يريحنى…طلبت اليه ان يفعل..فنظر الى شذراً (ضغط العمل طبعاً جعله نافذ الصبر لا يطيق الملاحظات و ما اكثرها..)
" اعرف عملى جيداً...."
لم اعقب أكثر و  قد خشيت ان ابدو بمظهر المتحذلق..لا بأس..المحقن جديد و فى يدى و لم يمسه مخلوق..المهم ان لا يلامس المحقن يده فيخدشها او يتلوث بدمه او بدم غيره…طالما هذا لن يحدث فلا داع للقلق غير المبرر…اعتقد ان عملى كطبيب قد جعلنى ابالغ قليلاً.....

الرجل من خلفى لم يهون من ثقل الامر و هو لا يكف عن التظرف و ابداء الملاحظات عديمة القيمة فلا يقابلها منى سوى فتور يتخلله هزات رأس غير مكترثه بحرف عن تاريخ حياته , لكن هذا لم يثنيه لحظة....قل حماسه قليلا لحسن الحظ عندما رأى نوبه الاغماء التى تعرض لها احد المتبرعين..رغم حساسية الموقف الا انى قد سررت انه قد صمت قليلاً و انشغل عنى برهبة الموقف التى تتبدى امامه للوهلة الاولى......

جلست على المحفة فى ثقة..لا اخاف الوخز..تعلمت ان اصير صديقه بعد ان صارت مهنتى ان اسببه لغيرى..يقولون ان الاطباء هم اسوأ انواع المرضى عندما تدور بهم الدوائر و يقفون خلف فوهه المدفع بعد ان اعتادوا الاطلاق…لكنى على كل الاحوال اكبر من املأ الدنيا صراخاً و عويلاً من مجرد محقن مسالم….

الرابطه القوية على الساعد تبرز الحبل الازرق الغليظ ليكون هدفاً سهلا لسن المحقن السميك..حاذرت ان انظر الى كيس الدم و هو يمتلأ حتى لا يصيبنى الجزع فيتوقف الدم بفعل انقباض الاوعية....لتر من الدم كم ليس بالقليل و ستدرك فداحته الحقيقية اذا نزفته على الارض اثر اصابه لا قدر الله…

نظرت الى الجانب الآخر بمدأ النعامه " ان ما لا اره لن يؤذينى.."…عملية شاقة ابسط ما فيها الوخز الاولى و اسوأه هو عملية سحب سائل الحياة من الجسد بشكل يشعر ان الوعى يتسرب معه فى ذلك الكيس الذى يتم ملأه بمعدل ثابت..احساس غريب بالخدر سرى فى ذراعى و انتقل الى عقلى..احساس بأنى قد اديت واجباً ثقيلاً انتزعته عن كاهلى الآن..اشعر بالسلام و بالرغبة فى لقاء امى..يمكن ان اموت الآن و انا مستريح الضمير....

" المعدل بطىء..رجاءاً افتح يدك و اغلقها بقوة على نحو مستمر...."
افاقتنى عبارة المسعف من عالم احلامى الخاص ووعيت من جديد الى ما افعله فأذعنت لطلبه..ربما بحماس زائد حتى آلمنى ساعدنى....

" لم هذا التمارين الصعبة..ستؤذى نفسك..."
المسعف لا يعانى هذه الحالة من التواصل الانسانى مع المرضى..كما ان العبارة لم تلق على مسامعى بلغتى الام بل بالانجليزية و بلكنة امريكية واضحة....

التفت الى صاحبها بعين نصف مغلقة فطالعنى وجه اشقر وسيم لرجل فى منتصف العمر يرتدى سترة داكنه و تتبعه كاميرا تليفزيونيه اينما حل..(هل يسبب التبرع بالدم رؤى و هلاوس؟؟؟)…لقد استرعيت انتباهى حقاً يا سيد......

" (ايفان واطسون) مراسل لشبكة
(CNN)
تشرفت بمعرفتك......"

الامر عجيب و فوق التصديق..مراسل امريكى و شبكة دولية و العبد لله..اطراف المعادلة لا تجتمع...لو كان التلفاز الوطنى لطرت فرحاً..اما الآن فالامر يبدو عصياً على التصديق بالفعل..و يستدعى التعجب و الدهشة اكثر ما يسترعى البشر و السرور…

ظل يسألنى بضعه اسئلة و انا اجيب عنها بما يفتح الله على من اجوبة تجد طريقاً الى لسانٍ مخدر, بأقرب انجليزية يجود على بها عقلى الآن..غريب حقا امر اللغات و العقل عموماً..يظل يعمل طيلة العمر بثبات حتى يأتى وقت الحاجة اليه فيظلم..لجان الشفوى..الاستجوابات المباشرة…و الآن…

ظلت عيناه تلتمع مع كل حرف اقوله و اشعرنى انه قد وجد ضالته..
" هل تمانع ان تعيد هذه الكلمات فقط امام الكاميرا فى لقاء سيذاع على محطتنا ؟؟ "
قطعاً لا امانع يا سيد (ايفان)..لدى الكثير لأقوله لك..فقط لو يسعفنى عقلى النائم..مازلت لا اصدق بعد..لكن لا اظننى وجهاً يحبه الكاميرا كثيراً كما ان ذقنى غير حليق و لا احسب لغتى ترقى الى مستوى الحوار...

ابتسم باعتبار ان هذا كله هراء و علق على الجزء الاخير فى ود
" لا اظن..ستبلى بلاءا حسناً..ثق فى...."

حسنا يا سيدى وضعت ثقتى بك رغم انك غريب لا تتكلم بلسانى و قد قابلتك  لتوى من دقائق..سأثق بك و انا اصلا لا افرط فى ثقتى بالغير فى سهولة…سأثق بك و انا شخصياً لا اعلم لم و لماذا قد وافقتك على طلبك من الاصل , رغم انى غير مولع بالظهور بكل صوره…

ثبَّت المكبر الدقيق فى ازرار قميصى الشتوى فى تبسط و قد اعجزنى المحقن المتدلى من وريدى الايمن ان افعل ذلك لنفسى..شعرت بقلق خفى..مخى نصف نائم و نصف مخدر بفعل سحب الدم..اخشى ان اتفوه بما يسىء الى وطنى دون قصد..على ان اكون حذرا....

(الحوار الآتى كما تم فعلا من امام و خلف الكاميرات..و ليست النسخة المنقحة التى تم عرضها بعد ذلك ...)..

جلس الى جوارى فى وضع القرفصاء على الارض فى تبسط ليكون فى مستوى جسدى المرتخى..(حوار مع صديقى الملحد)..خطر عنوان الكتاب الاشهر لـ (مصطفى محمود) على رأسى فى لمحة بارقة..لكن (ايفان) ليس ملحداً انما كتابى..و هو ليس صديقى كذلك...

س: "اسمك و عملك؟؟؟ "
نظرت الى الكاميرا فى وجل و اتى صوتى زاعقاً برغمى بفعل التوتر....
س: " و ما الذى تفعله هنا؟؟ "
عندما  بدأ الكلام يأخذ صبغه حوارية تناسيت خوفى الاولى من الكاميرا و تحول الامر الى نقاش عادى , فقط بلغه اجنبية….يتم بعيداً عن هذا الكيان المهيب ذو العدسات المسمى " كاميرا"...لكن مع العدسات الطبيعية الزرقاء للمحاور…و الاجابة هى للتبرع بالدم قطعاً...
س: " و لم؟؟؟ "
" لأن هذا هو ابسط شىء قد افعله من اجل وطنى..لا اظننى قد اقدم القوى المعاونة الكبيرة التى قد تفيد فى الميدان , و لن اساعد المتظاهرين كثيراً….ذهبت لأعرض خدماتى فى المجال الطبى فوجدت انى لن اشكل هناك سوى عائقاً للاطباء الشاملين و لن افعل بوجودى سوى ان اؤخرهم..باختصار لو كنت استطيع القاء الاحجار لفعلت..لكن ما استطعته قمت به...هذا هو الامر...."

اللغه امر مراوغ..وجدت نفسى مضطرا لاستخدام مصطلحات بسيطة للدلالة على اشياء اعرف نظائر اعقد و ادق لها..لكن ليس هذا وقت التحذلق طالما الكلام مفهوماً على كل حال...
س:" اذا انت تساند الثوار فى مهاجمة الشرطة؟؟ "
" كلا يا سيدى..ليس الامر كذلك..بل اساند الثوار فى مواجهه الفساد..الشرطة فى اى بلد محترم يكون همها الاساسى الحفاظ على سلامة رعاياها..اما الشرطة هنا فلا تسعى الا للحفاظ على مصالح نظام فاقد الشرعية..رحل نظام و تبقى ذيوله..و ما نفعله الآن هو عملية قطع دقيق لتلك الذيول...."
س:" هل كنت هنا خلال احداث الثورة الاولى ؟؟ "
"نعم..لكن للاسف بصورة موجزة...."
س:  " و الى اى مدى ترى الامر هذه المرة مختلفاً؟؟ "
" لا ارى فى الامر من اختلاف..بل اختلف معك فى تعدد الثورات..هى واحدة قامت و لم تحقق اهدافها و هذه مجرد تتمه و ليست بداية جديدة..الفارق الوحيد ان الاوضاع كانت قديماً مختلطة على كثيرين فقدوا الاتجاه..اما اليوم فكل شىء واضحاً و جلياً للجميع..."
س: " و ما الذى فى رأيك سيرضى الجماهير هنا؟؟؟ ما الذى سيجعلهم ينصرفون طواعية و يخلو الميدان؟؟ "
بحثت فى رأسى عن لفظ انيق بالانجليزية يعبر عن كلمة تداول السلطة فى تعبير واحد , فلم اجد للاسف فاضطررت الى الافاضة..
" سيرحلون عندما يرحل النظام الحالى و يخلفه نظام جديد..نظام خلقته الانتخابات النزيهه..نظام قائم على الديموقراطية و على تبادل السلطة فى اوقات مختلفه كما يحدث فى بلادكم..كل بضعه سنوات رئيس جديد و فكر جديد..."
س: " هل انت متفائل لمستقبل الاوضاع مصر؟؟؟ "
لم انتظر ليتم عبارته كما تقتضى قواعد اللياقة بل قاطعته..
" نعم..جداً..."
نابعه من داخلى و بكل الايمان و التصميم فى الدنيا.....

 

الكاميرا تنطفأ و يعود السيد (ايفان) مجرد شخص عادى و قد خلع هالته الاعلاميه التى تعطيه ثقة امام الكاميراً..نهض من جلسته القرفصائية المتعبة لينفض زحام الفضوليين من حوله…و شد على يدى  اليسرى الحرة فى مصافحة مرتجلة حارة..
" لقد تشرفت حقاً بلقائك...."

لقد انتهى كل شىء و تم نزع المحقن من ذراعى و ابداله بقطعه من القطن المطهر لتوقف سريان الدم.. و كل هذا و انا احادث الرجل و لا اعى ما يحدث لى....قمت و انا ارتدى سترتى الثقيلة..فقد غابت الشمس العنيدة وقت الحاجة اليها و عادت للجو لسعه البرودة…او هو نقصان الدم لا اعلم…اصبحت يدى اليمنى ملكى مرة أخرى لكن بها خدر عجيب..استغللت ذلك و صافحته كما يفعل الرجال مودعاً…

" هل تمانع لو صورنا خروجك من الميدان؟؟؟"
لا امانع يا سيد (ايفان)..لقد صنعت يومى و اخرجت حملاً عن كاهلى ظل اسيره كثيراً...اعتقد ان اقل ما اقدمه لك هو تلبية كافه رغباتك...افعل ما تشاء و ان كنت لا اعلم فيم سيفيدك ذلك فلست بذلك الوجه السينمائى و خطواتى ليست بتلك التى تصنع الاحداث و الاخبار…

لا اعلم كثيراً عن فن التصوير لكنى اعود فأضع نفسى محل المصور الاجنبى الحذق و ارى بعينه من خلف العدسة المتطورة ...

اتخيل مظهرى و انا انخرط وسط الزحام المتجمهر من جديد..اسير تدريجياً نحو افق غابت عنه الشمس فلم تعانده فى الرؤيا كثيراً..الزحام شديد لكنى اعرف طريقى جيداً…ينتهى بى المطاف نحو حائط صلب عماده الناس يحوط الميدان و يكفل له الامان…اعتذر فى ود من  ذلك الحائط البشرى…فتتباعد عناصره فى تناغم لتخلف فرجه ضيقة بالكاد تكفى لعبورى….ربما يدير الكاميرا بعيداً عنى ليظهر الوجود خلف هذه الفجوة  , فيبدو ضبابياً و ليس زاهياً كالدنيا هنا فى الميدان…يعود الى فيتابعنى و انا اخرج بالكاد من هذه الجنة التى فارقتها مرغماً لأعود الى ارض الخطايا و البشر فى شارع (عبد المنعم رياض)…

 
لا بد انه ظل بعدسته مجمداً على الحائط البشرى الصلب و هو يعود ليلتحم و يتماسك ليسد اثر الثغرة التى خلفها خروجى..نعم هذا ما حدث و لا اتخيله فى اى ضوء آخر.. لقد ظل يتأمل المظهر هناك بضع ثوان , حيث اختفيت كأنى لم أكن…ثم تناسى عنى كل شىء و ادار عدسته لتواجه مظاهر الاحتفالات التى لا تنتهى فى الميدان…….

( تمت )