الخميس، 13 أكتوبر، 2011

انت ايضا تستطيع !!…………1

 اهـــــــــــــداء:

الى روح امرأه عرفتها طيلة أكثر من عشرين عاماً…

كانت عيناها اول ما تفتح عنه ناظرى..

و كانت عينى هى آخر ما رأت قبل ان تفارق الحياة..

كيف ارد لك جميلك و انتِ تملكيننى بالكامل؟؟

اتمنى ان اكون صالحاً فقط كى يتقبل الله دعائى لك بالرحمة..

 

بسّــــــام..

***************

307683_248160061900917_113683338681924_746432_367396791_n

كم اكره التنمية البشرية.....
منذ سمعت عنها لأول مرة من فترة ليست بالطويلة فى محاضرات (ابراهيم الفقى) و كتابات (شريف عرفه) زميل المهنة السابق قبل ان يتركها و يتحول الى الادب و الكاريكاتير..و التى هى فى ذاتها تعريب لأفكار سبقنا الغرب اليها فى كتابات لا حصر لها على غرار (السر) و سواها....

 

the_secret_rhonda_byrne

 

اكرها و اعتبرها من اسرع وسائل النصب ادراراً للمال..اعتبرها لا تقدم لمتلقيها سوى الهراء النقى و فد تم تعبئته فى زجاجات غالية الثمن جميلة الشكل...
هل حقا كففت عن القلق نهائياً بعد ان قرأت " دع القلق و ابدأ الحياة " لـ (ديل كارنيجى ) ؟؟ هل تحسنت علاقتك بالجنس الآخر بعد ان طالعت " النساء من الزهرة و الرجال من المريخ " لـ (جون جراى) ؟؟ من الذى صار مليارديرا بعد قراءة كتاب "كيف تكسب مليون دولار؟؟ " سوى كاتبه الذى لم يكف عن جنى الارباح؟؟؟ " لماذا من حولك اغبياء؟؟"..اعتقد ان العنوان يتحدث عن ذاته..شعرت بعد قراءته انى الغبى الوحيد لأنى دفعت مالا فى كتاب يحمل هذا الاسم...

 

423213976

 

" انت جيد..انت رائع..بداخلك تكمن طاقة كافية لتحريك الجبال..فقط انت لا تعلم.."..

يحتاج الناس طوال الوقت الى من يذكرهم بهذا و هذا ما تفعله (التنمية البشرية) و مؤيديها طيلة الوقت..كان بجوار كليتنا فى سنين دراستنا الاولى تاجر يبيع مستلزمات طب الاسنان..كان بمجرد ان يعلم ان الطلاب بحاجة الى سلعه معينة (مهما كانت تافهه معدومة القيمة ) حتى يسارع بجلبها حتى لا يخسرهم لسواه..و هذا فى رأيى سمات التاجر الناجح..قدم للناس ما يريدون.. الزبون دائماً على حق..لهذا و بسرعه كبيرة , تحولت (التنمية البشرية) و افكارها البسيطة الى تجارة عملاقة لا تكسد ابداً...فمن انا حتى اقف فى وجه هذا القطار المسرع؟؟؟؟

HUM1060

 

لهذا سأقدم لك اليوم موضوعاً من قلب افكار التنمية البشرية تحت عنوان موح هو (  انت ايضاً تستطيع !!  )..اعتقد انى اجدت اختيار العنوان..لابد و ان القشعريرة قد سرت فى جسدك بمجرد قراءته و قد تحررت فيك القدرات الكامنة بالفعل..هذا رائع و لم اتمن ربعه..الموضوع ليس موضوعى قطعاً لهذا سألتزم بالقواعد التى استنها من سبقونى فى هذا المجال الرحب...فى البداية يجب ان اخاطب الانسان فى داخلك و اشعرك انك يجب ان لا تكون (سوبر مان) كى تنجح..النجاح ليس صعباً..فقط يحتاج الى جهد و مثابرة..ان تعرف مواطن قوتك و تعمل على ابرازها و مواطن ضعفك و تعمل على تحويلها الى مواطن قوى تستحق الابراز..و عندما تشكك فى كلامى ادلل عليه بقصة كفاح مضنية تتوافر فيها كل الظروف التى بدأت بالحديث عنها..تستدر منك دموعاً و تجعلك تشعر ان النجاح اقرب اليك مما تتخيل..لا تصدقنى؟؟؟ لم لا تستمع الى ما لدى لتحكم ساعتها ان كان هذا المقال يستحق هذا العنوان الحماسى ام هو مجرد كوميديا بارود على هذا النوع السائد من التوجه......

*****************

حكايتنا اليوم ليست لأنسان عظيم لا يتكرر..ليست حكاية عن كيف تسلق  (بيل جيتس) طريقه من كونه مبرمجاً مغموراً , ليصبح مالك اضخم شركة برمجيات فى العالم..و لا هى قصة فتى فقير كان يبيع المثلجات و كيف تحول الى واحد من اضخم نجوم هوليود و يدعى  (توم كروز )..بل الحكاية هى البساطة ذاتها عن شخصية ابسط..نجاحاته و اخفاقاته هى قد تكون نجاحاتك و اخفاقاتك انت دون فارق..ربما هذا ما فى رأى يزيدها بريقاً و جاذبية..و اكثر انسانية و فى النهاية الحكم لك...

tom-cruise
لكل حكاية بداية..و حدوته اليوم تبدأ بصبى صغير يقف فى فناء المدرسة الواسع بعد انصراف الجميع..منذ صغره و لديه هذا الولع المرضى بتأمل الأمور بعد ان تنتهى و يخفت عنها الضجيج.... كان و لا يزال يعتقد ان الاشياء عندما تدنو من نهايتها تصير اجمل ..كم يكره الضوضاء..يفضل عنها الصمت و الهدوء و السلام..نفسيه معقده لطفل صغير لو كان لى ان ادلى برأيى..الفناء خالٍ بالفعل..الا  من مجموعه من صبية الفرقة الثانوية..يتراشقون كره السلة المطاطة فيما بينهم..الفتى الطويل الاسمر يمسكها بخفه ليضعها فى السلة العالية بسهوله..الصبى يتأمل كل شىء فى فضول..لا تشغله اللعبة ذاتها..فنشأته الوحيده لم تخلق لديه ميلاً للالعاب الجماعية بأسرها..بل كان كل ما يشغل باله هو السله ذاتها..كم هى بعيده..كم هى عسيرة المنال..كيف يصل اليها و هو على قامته القصيرة هذه؟؟؟

5001331-two-kids-playing-basket-ball-in-the-summer

 

يتأمل الفتى الاسمر و هو يقفز فى مرح ليتعلق بها لثوان و يسقط من جديد..يحسده فى سره و قد شعر انه يطير و لا يقفز..كم تمنى فى هذه اللحظات لو يبادله الشعور فيحس باحساس النشوى الذى ملأه..لم يطل به التفكير و عبر الفناء الى الجانب البعيد حيث سله اخرى غير التى يلعبون حولها مماثله لنظيرتها فى الطول و البعد لكن دون تجمهر اللاعبين حولها...

A_Colorful_Cartoon_Athlete_Hanging_From_the_Rim_After_Making_a_Basket_Royalty_Free_Clipart_Picture_100712-163270-477053

 

يقترب منها فى تهيب..يقيس المسافه بينها و بينه..كم هى بعيدة..لكنه سيصل..فى اعماقه يشعر انه سيصل..كان الامر اقوى منه..لذا قفز..قفز قدر استطاعته..لكنه لم يمس اى جزء منها..ظل يقفز حتى كادت اوتار ساقه و عضلاتها الرقيقة تتمزق و النتيجة ذاتها..توقف الفتية عن لعبهم و قد راقهم المشهد عند السلة الاخرى فأنصرفوا اليها طمعا فى مزيد من التسلية...
الكل ظل يضحك على المحاولات اليائسة للصبى الصغير كأنها فقرة فى سيرك..و كلما ازدادت قفزاته علوا و ازداد سقوطه ضجيجاً ترتفع ضحكاتهم اكثر..حتى جلس الفتى الصغير على الارض و قد فاضت دموع اليأس من عينه..(لا تنس ان عمره لم يكن قد تجاوز الاعوام الاربع)..الفتى الاسمر الطويل يمر امامه ليقفز و يمسك السله بيده لبضع ثوان و يحط على الارض بسلام..و ينظر اليه ساخراً و يقول
( ما تحاولش يا بنى..فى حاجات اكبر منك.....)

 

لماذا يذكر تفاصيل هذه الحادثة البسيطة بالذات  بحاذفيرها رغم انه قد مر قرابه العشرين عاما على مرورها؟؟ ستعرف حالاً.....
بعد انقضاء  اكثر من خمسه اعوام على هذا الحادث..تحول الصبى القصير الى شىء ضخم ذا طول و عرض بالغين..ربما اكثر من المعتاد..واقف فى فناء ذات المدرسة التى احتوته طيله كل تلك الاعوام الماضية...يجد طفلا يبكى فى فناء ذات المدرسة امام ذات السله..يقفز  القفزات المضحكة  عينها امام السلة العالية محاولاً بلوغها..تذكر الموقف ساعتها على الفور..

من العجيب فعلا تلك اللحظات التى نكتشف فيها انا كلنا نتشاطر فى لحظات معينة ذات الرغبة..كل انسان يحسب نفسه مميز و كينونة مستقلة عن سواه لكن الحقيقة ان طموحتنا تمتزج فى لحظات بعينها..توحدت كل مشاكله مع الطفل و هو يتأمله و قد شعر فى فمه بطعم اليأس الذى يشعر به الصغير فى تلك اللحظة..امسكه من على الارض فى بساطة و رفعه فى يسر قدر استطاعته حتى لامس الصغير اطراف الشباك العالية للسله..

4873663-adult-helping-boy-score-a-basketball-shot

وضعه على الارض و لا حظ ان دموعه قد توقف و قد سرت على وجه ابتسامه عريضه..و على غفله منه طبع على وجهه قبله ما زال يذكر اثرها الرطب حتى الآن..بينما اقترب منهما كيان اسمر طويل..انه الاخ الاكبر للصغير و قد حضر ليأخذه من المدرسة التى تركها هو ليلتحق بالكليه..تذكره صاحبنا على الفور و هو يمد يده ليصافحه قائلا ( شكراً ) بنبرات قوية...هل تعرف من كان؟؟؟ لقد كان الفتى الاسمر الذى حادثه من قرابه خمس سنوات مضت...لا تصدقنى؟؟؟ هذا شأنك....لكن هذا ما حدث فعلاً...

لماذا افضت فى اطاله المقدمة و فى حكاية هذه القصة التى قد تراها سخيفه عديمة الجدوى؟؟ لأنى اعتقد انها كان لها ابلغ الاثر على حياة صاحبنا بشكل حتى هو لم يكن ليتخيله..منها تعلم ان الاحلام لا تموت..هى فقط تظل حيه بداخلنا تتحين الفرصة المناسبة لتبرز برأسها الى سطح الحياة حين تلمح ابسط الفرص الممكنة لتحقيقيها...تعلم ان لا يدع احداً يصادر احلامه الثمينة او يخبره انه لا يستطيع..تعلم انه بامكانه كل شىء..قد يحتاج الى الوقت..قد يحتاج الى صقل الخبرات او التعلم..لكنه فى النهاية سيصل..اصبح لديه هذا اليقين من ساعتها لم يمت رغم كل ما مر به فى حياته..

بالتأكيد كبر الصبى الصغير و لم يمت و الا لأنتهت القصة عند هذا الحد..كبر و كبرت احلامه معه و تجاوزت حد القفز و الوصول الى سله للعب الكره..فقط دعنى قبل ان اكمل اعطيك نبذه قصيرة عن طبيعه نشأته حتى تعرفه اكثر..نشأ وحيداً دون اخوة..لهذا كانت خبراته الاجتماعيه و اتصاله بالناس ليس وثيقاً..كل العابه كانت بمفرده..كلامه قليل..و لا يثق من العالم بشىء سوى امه التى عدها منذ صغره نافذته على العالم..تميز منذ طفولته بتزايد مطرد فى الوزن صعب الامور عليه اكثر..قلل اختلاطه باقرانه فى العابهم التى تعتمد فى مجملها على الحركة التى لم يكن يستطيعها بخفه مثلهم..لهذا كانت الحياة بالنسبة له هى سلسله من التحديات الصغيرة على الرغم من كونها سهلة الى من سواه فى تلك السن...

child_actors_3

عالم الاطفال لو اردت رأيى عالم قاس و ليس محكوم بقواعد صارمه حتى لو كانت وهمية كما فى عالم الكبار..هو عالم لا يقوم على العقل قدر ما هو قائم على الغرائز الاساسية..لهذا يمكن بمزيد من التحرر فى الفكر وصف عالمهم كعالم الحيوان..البقاء فيه للاقوى و لا مكان فيه للضعيف او المختلف..باختصار يمكن للفتية فى مثل هذه السن ان يحيلوا حياة صبى صغير ثقيل الوزن هادىء الطباع الى جحيم متصل..لكنه كان يحسن الدفاع عن نفسه لحسن الحظ..و و ستفهم الجو الذى احكى لك عنه جيداً عندما  تقرأ قصة (علاء الاسوانى ) القصيرة (حصة الالعاب) من مجموعته القصصية الرائعه (نيران صديقة )..هى تنقل ما اريد قوله دون نقصان…

scan0018

يذكر الفتى معلمة اللغة الانجليزية الصارمة و قد وجدته يقوم بعمل تافه فى الحصة مناف للقواعد..لا يذكر فى الواقع كنه الشىء قدر ما يذكر رد الفعل الذى طبعا لم يكن متناسباً مع الفعل ذاته بأيه حال..يذكر انها قالت بعد ان وقف ليظهر امام باقى زملائه...
( مكنتش اظن انك انت بالذات تعمل كده..ميتهيأليش وزنك يسمح لك بكده....)

strict-teacher

طريقة قاسية جداً فى التوبيخ لا داع لها..و كأن الفتى لو كان اخف وزناً لكان مسموحاً له ان يمرح و يتجاوز القواعد التافهه..بدلا من ان تعاقبه و تساويه بالجميع اشعرته للحظات انه اقل منهم..لا لسبب سوى انه ازيد ببضع كيلو جرامات..بالطبع تجاوز احراجه بأن ابتسم و لم يرد..لكن قطعاً من داخله كان يبكى دموعاً صامته ظل بعدها يحمل مرارة هذا الموقف كثيراً....هذه الجريمة مازالت تمارس على نطاق واسع فى كافة الفصول الدراسية دون تمييز..ماذا طبيعة الجريرة التى تستحق ان تفتعل ندوباً غائرة فى نفس طفل صغير قيد التكوين؟؟ يحادث زميلاً له؟؟ لم يؤد واجبه المنزلى على ما يرام؟؟ هل اشياء مثل هذا تستحق؟؟ لا أظن...

هل تعرف؟؟؟ يذكر انه رأى ذات هذه المدرسة بعد هذا الحادث بفترة طويلة جدا و كانت حاملاً و فى اواخر شهورها و قد تفجر الدهن من كل مناطق جسدها دون تمييز..رأها على قله حيلتها فساعدها حتى صعدت..التفتت اليه لتشكره فلم تجده لأنه كان قد غادر..مازال يكرها و لا يطيقها لكنه لم يحتمل ان يراها هكذا..لم يتوقف ليسخر منها كما تمنى  كثيراً لكنه فعل العكس..هل كان من الواجب ان يتوقف ساعتها ليخبرها ان وزنها لا يسمح لها بصعود السلم كما فعلت هى معه من زمن طويل؟؟؟؟ يذكرنى هذا الموقف بـ (كرم دوس) فى روايه  (شيكاجو) عندما اضطهده الجراح المسلم فى بداية حياته لينتهى به الحال مسجياً امامه على منضده الجراحة ليجرى له جراحة قلب صعبة دون مقابل و قد عجز ان يرد له اسائته..

409px-Shekaco

الحديث عن الوزن الزائد يطول..فهو نقطه مثاليه للحوار لا تنقطع للناس من نكات و سخرية و حقاً لا ادرى لماذا..و كأن الانسان من الواجب ان يعاقب على مظهره طيلة ساعات اليوم..و ليس السمنه وحدها بل اى اختلاف شكلى..المشكلة ان من يسخر لم يجرب يوماً ان يكون حبيس اسر جسد لا يستطيع الخلاص منه, يحول بينه و بين اشياء كثيرة فى الدنيا..لم يعش يوماً معاناة ان يتوقف عن الطعام و هو يشتهيه..ان يجرب كل شىء و يفشل ووزنه يتزايد باستمرار..عاجز عن الحركة و التفاعل بشكل طبيعى..يتمنى ان يرتدى ما يشاء بحرية دون نقد من احد..يتمنى لو ينظر الى فتاه بعينها فيشعر انه قد تكون له دون ان تأبه لمظهره....لماذا لا يتجاوز العالم ببصره طبقات الدهن الشحيمة تلك لينظر الى الروح تحتها فهى فى معظم الاحيان تكون روح قلقه تتعذب باستمرار؟؟ حقا لا ادرى..الموضوع يطول و سنعود اليه حتما...

يكره صاحبنا اللغه الانجليزية بشده منذ صغره..و السبب؟؟ السبب ستجده لدى جميع الاطفال الصغار- و هو واضح جداً على ضوء الحكاية السابقة - مما يستدعى وقفة حازمة من الوزارة و المدارس على السواء...المدرسين..لا يوجد طفل الا و يذكر ذكرى سيئه عن اللغه الانجليزية و مدرسيها..و السبب حتما فى مرتبات الخفيضه التى لا تجعل لدى المدرس الشاب خلقاً كافياً لحسن تقديم لغه جديدة لعقول مازالت تتفتح لتوها..ظل صاحبنا يعانى كثيراً من هذا الموضوع مع تلك المُدرسة السابقة او سواها.. ربما حتى وصل الى المرحلة الثانوية فتحسنت الامور نوعاً...

corporalpunishment

يذكر انه قد سأل يوماً مدرساً له عن معنى كلمة معقده فنظر اليه و لم يجب..هل تعلم ماذا قال؟؟؟ ( الكلمة دى كبيرة عليك قوى..مش لازم تعرفها..يا ريتك بس تعرف دروسك الاول...) ساخراً طبعاً...و فى اجتماع اولياء الامور التالى قال لوالدته ( استيعابه ضعيف جدا و فهمه للغه محدود...مستواه اقل من زملائه بكثير...).......

هذا كان البارحه فماذا عن اليوم؟؟؟ بعد سنين امضاها مع ذاته من تنمية مهارات اللغه و تعلمها و اتقانها و القراءة و الكتابه بها..قابل يوماً استاذا امريكيا شهيراً مختص بدراسة الفلكلور الشرقى..كان حاصلاً على الدكتوراة من جامعه امريكية شهيرة و قد اهتم بتكوين فرقة موسيقية من زملائه فى تلك الجامعه من المهتمين بالموسيقى العربية..بخلاف قيامه بدور المايسترو لتلك الفرقة كان كذلك عازفاً ممتازاً لآله الناى و من اشد المولعين بها..يذكر صاحبنا انه قد حضر له حفلا رائعاً بالصدفة فى دار الاوبرا استمع فيه الى مختلف المقطوعات الجميلة التراثية التى تعزفها فرقته..يذكر انه قد قابله فى كواليس الحفل عقب نهايته و جمعتهما جلسة طويلة دامت لأكثر من نصف ساعة تحدثا فيها فى امور شتى باللغه الام للبروفيسير..تحدثا عن الفن و السياسية و الهيمنه الامريكية و الوضع فى الشرق الاوسط و امور كثيرة قد لا يتسع المجال لذكرها تفصيلاً..فقط يذكر فى نهاية الحوار البروفسيسر و هو يشد على يده فى قوه مبتسماً و يقول ( انت شاب مذهل..لغتك ممتازة و ثقافتك رائعة...)....فهل حقا يمكن مقارنه رأى استاذ امريكى بمدرس مصرى ليس لديه سعه الافق ليخلق وعياً لدى طلابه؟؟ حقاً لا أظن...

 

mevedde_ney_1237895357

 


هذا كان عن اللغات الاجنبية..فماذا عن ملكاته الدراسية بوجه عام؟؟؟
 

فى الواقع صاحبنا لم يكن نابغه دراسية..كل مدرسيه شهدوا له بالذكاء لكن بضعف التركيز..كان يكره الدراسة و الحصص الدراسية و لم يحاول يوماً ان يبرع فيها..يذكر ان امه اصابت باحباط شديد يوم تخرج من المدرسة الابتدائية بمجموع (80 %)..فى الواقع ان الفتى لم يكن مبشراً بالمرة.. لم يتوقع له احد ان يبرع فى شىء او ان يدخل كليه ذات مستقبل محدد...الكل توقع له الفشل الوشيك..الكل القى باللوم على امه و اتهمها بالتدليل الزائد لوليدها الوحيد مما ادى لأفساده..يذكر هذا اليوم جيداً رغم يقينه التام من عدم اهمية هذه الشهاده لكن حزن امه فى تلك اللحظة بالذات كان شديداً حقاً..

 

US1CardBack6

اتت الشهاده الاعداديه..و كان صاحبنا قد استمر على المنوال ذاته من الفشل الدراسى حتى هذه السنه..لكنه مازال  يذكر بضع كلمات قالتها امه فى اعتابها ( انجح عشان خاطرى... )..فقط.. بعدها تحول الى انسان آخر..تحولت رغبات امه البسيطة الى اوامر مباشرة.. فهو لا يستطيع ان يرفض لها طلباً حتى لو تعارض مع امنياته هو , فالامر شخصيا لم يكن يعنيه فى شىء..لكنه فعلها من اجلها..يجب ان يرد لها اعتبارها امام الجميع هكذا ظل يفكر طيلة العام....

انتقلت اليه الاراده..فقط اراد..و تحولت ال (80) الى (97) بمعجزة ما..افاق عقله من سبات طويل اختيارى وضعه فيه من لحظة ولادته..تفجرت فيه قدرات عقلية كامنه هو شخصياً لم يكن يعى عنها اى شىء..جرب و حاول و انتصر.. لكنها هذه المرة لحظة نصر بطعم خاص..فلا اعتقد انه يوجد فى هذه الدنيا اجمل من  ان تهدى من تحب شيئاً يحبه هو..و قد كانت هذه واحدة من تلك اللحظات..

ماذا عن الدراسة الثانوية؟؟؟
لحظة كتابه الرغبات..بضع كلمات تسطرها بلا اكتراث دون ان تدرى انها ما سيحدد مصيرك للسنوات القليلة القادمة بل و ربما طيلة حياتك...يذكر انه اختار الشعبة العلمية التى تؤهل بعد ذلك لدراسة الطب..يومها يذكر - و ما اكثر ما تتسع له ذاكرته - واحداً من زملائه قال له ساخراً ( علمى ده مش لأى حد..مش هتقدر عليه.....)...لماذا تنطبع كلمات دون سواها فى ذكرانا الى الابد؟؟؟ انه شىء يسمى الحافز..الحافز لتبرهن لذاتك انك تقدر و لتثبت لمن امامك انه احمق..هذه المرة لم يكن بحاجة لمن يخبره ان ينجح لأجله..لقد فعلها من اجل نفسه هذه المرة..لقد ذاق طعم النجاح مرة و اعتاده و لم يكن على استعداد ان يترك موقعه لسواه و يعود لصفوف الفاشلين..يذكر انهما كانا اطول عامين فى حياته..يذكر انه تعب كما لم يتعب من قبل..ليال طويلة امضاها متصلة يستذكر غيبا دروساً يعلم فى قراره نفسه انها غير ذات جدوى..لكنه استمر رغم كل شىء..استمر حتى اخر لحظات النهاية..

و الآن يكفى فقط ان اذكر ان صاحبنا فى ذلك العام اضاء اسمه لوحة الشرف ليكون الثالث على مدرسته بمجموع مرتفع جداً يؤهله للالتحاق بأى كلية يشاء..دموع الفرح فى عين امه..لن ينسى هذه اللحظه مهما طال به الامد...اعتقد انها لحظة لا تصفها كلمات...

و لكن ماذا عن قائل العبارة المثبطة تلك؟؟؟؟ نجح بالكاد بعد مشوار علمى متعثر ليلتحق بكليه التجارة مع 7000 الاف ممن سواه دون اى مستقبل محدد مع الاحترام الكامل لكافة المهن و التخصصات...هل هذه حقاً مصادفة؟؟؟ الله وحده اعلم...

diploma

يقولون انه حين تكبر تكبر مشاكلك معك..فماذا حين التحق الفتى الصغير بكليه طب الاسنان و تحول من مراهق  الى شاب؟؟؟

بالتأكيد تحولت مصاعب حياته من شىء فى حجم عقلة الاصبع الى كيان ضخم عملاق لا يمكن استيعابه..الجامعه عالم بحد ذاته..يمكن ان تفقد نفسك بالداخل..تخرج من العالم الرجولى الخشن للصفوف الثانوية الى عالم من الاختلاط الرحب..تخرج الى العالم بمعنى اصح..حيث مختلف مستويات الفكر و المجتمع..الغنى و الفقير و الريفى و خريج المدارس الامريكية..كلهم هناك حتى يتعلموا شيئا جديدا و يصبحوا اطباء..اعتقد انه المكان الذى سيشكل فيما بعد وجدانك الى الابد..حيث  تتعلم  دروساً عن الحياة تدوم طويلاً و تكتسب صداقات العمر التى لا تنمحى بمرور الزمن عليها..بل تزداد صلابه..

منذ اللحظة الاول ادرك ان الصدام كان وشيكاً..الصدمة الثقافية التى ستودى لكارثه لا محالة..التباين الواضح بين طبيعته الانطوائية العزوف عن مخالطة البشر و بين عالم الجامعه القائم فى ذاته على عالم المجاميع و الصخب و الانطلاق..كان يعلم ان هذا سيكون واحداً من اصعب التحديات فى حياته..فهو - منذ عرفته - و هو قليل الكلام ميال للصمت و التأمل..معارفه كثيرون و اصدقائه فى الغالب لا يتجاوز تعدادهم اصابع اليد..لكنه لحسن الحظ لم يمض سنين دراسته فى عزل انفرادى..لقد نجح فى ان يكون  عدد متواضع من الصداقات..لكنى اعتقد انه بالنسبة له يكفى و يزيد..

لا تنسى ان كونه وحيداً دون اخوه جعله يبحث عن تلك العلاقة فى الصداقة..لهذا هو يقيمها و يضعها قبل اعتبارات عديدة..لا اظن ان هناك من اصدقائه من طلب منه شيئاً و تأخر عنه..لا اعتقد ان قد خان يوم صديقاً او افشى سره..ربما كانت صداقاته محدودة العدد لكنه بالفعل يقيمها بشده.. 

friendship002

لكنه لا ينكر ان موضوع عزلته و ميله للوحدة كان مثاراً للعديد من الانتقادات حتى فى محيط الاسرة..يذكر يوماً ان امه انتقدت خاله لزرعه بعض الطباع السيئة فى ولده..بحسن نية طبعاً..لكن الرد جاء صادماً..( يعنى عاوزاه يطلع زى ابنك؟؟؟)..الامر لا يحتاج الى ترجمة..هل تريدينه ان يتحول طفل صامت منعزل عن العالم يفضل ان يخلو الى ورقة بيضاء يخط عليها بضعه اسطر عما يعتمل فى نفسه على ان يلعب مباراة لكرة القدم او ان يتبادل اللهو مع اقران يماثلونه سناً كما يفعل الجميع؟؟..بالطبع بهتت امه و لم ترد..لكن بعدها اعوام عده كبر ابن خاله فى السن و صار يقلده فى كل شىء..و صارحه فى أكثر من مرة انه يود لو صار طبيباً مثله..لماذا ذكرت ذلك؟؟؟ الشىء بالشىء يذكر و آسف على هذه الاستطراد الطويل..نعود الى موضوعنا..

lonely child beach

منذ اليوم الاول فى الدراسة الجامعية و الجميع سوف يقر لك ان الامر يختلف..يختلف عن ماذا؟؟ عن الدراسة فى المدرسة طبعاً..متى ستفطن ان هذا هراء؟؟ بعد شهر او بعد عام...( انت و شطارتك)..حقاً لا يوجد ادنى اختلاف..اللهم الا فى ما تحتويه الكتب..الامر عينه..احفظ و استذكر كلاماً كثيراً لا تعى ثلاثه اربعه و تقيأه آخر العام على ورقه الاجابه, لتخرج بعدها الى الحياة العملية فيخبروك ان تلقى كل ما استذكرته خلف ظهرك لأنه معدوم القيمة...عرف هو ذلك منذ اليوم الاول الذى امضاه فى كليه العلوم فى السنة الاعدادية السابقة لسنين الدراسة الطبية..سنة عديمة الجدوى العلمية و هى عبارة عن اعادة سرد للمواد العلمية الثانوية فقط بلغه اجنبية..كل الهدف منها هو اضاعة سنة اخرى من حياة الطبيب طويلة السنين..

149292_471903153359_290539813359_5511386_4231407_n

يذكر اشياء عده..يذكر تعاسته و هو يتأمل الضفدعه المصلوبة على طبق التشريح..ذلك الكائن اللزج المقزز..رأى جثثاً و سحالى و ديدان..لكن حقاً ما يزال هذا الكائن البرمائى اللزج  متربعاً على عرش اسوأ ذكرياته التشريحية..يذكر معمل الكيمياء موضع الاسطبلات القديمة الملحقة بقصر الزعفران..لابد و ان خيل الملك الاثير قد وقف فى الموضع الذى حضر فيه غاز النشادر للمرة الاولى و فهم لماذا يفيقون به الناس..رائحة الف مرحاض عمومى لم تنظف منذ مئه عام كفيلة بايقاظ الموتى ذاتهم و ليس النيام فحسب…و ماذا عن معمل الفيزياء المنعزل و حلقته الدراسية التى تنتهى فى الثامنه مساءاً؟؟ يدخله كل اسبوع و نور الله يملأ الكون و يخرج منه فى ظلام الليل و قد عم جو الكلية الصاخب سكون تام كأنها ارض اشباح..و الساعات السوداء التى امضاها هناك يحاول معرفة كنه تردد الشوكة الرنانه بحاسة السمع  و يلعن فى سره كل شىء و يتساءل :"متى اصير طبيباً كما تمنيت؟؟"….يذكر و يذكر و يذكر...و فى النهاية كله يمر..تعلم هذا الدرس جيداً..كل شىء مهما كان جيداً او سيئاً يمر و لا يتبق فى النهاية سوى الذكرى..لا يتبق سوى الشىء الجميل الذى يساوى ان يتذكر...

frog-3890

هو لم يكن قط من المولعين بالانتظام فى الحضور او الانصات فى المحاضرات او الحلقات الدراسية..حاول اكثر من مرة لكن فى النهاية كان خياله ينتصر على تركيزه..يتحول الى جواد دون سرج يتحدى كل قدرة له على الترويض..و يتم تفريغه بالكامل على هيئة خطوط عديمة الترابط كان يخطها على الورقة التى من المفترض ان تستوعب العلم الذى يسمعه فى المحاضرة...لهذا اعتزلها سريعاً و لم يطل فى خداع ذاته..لكنه مع ذلك لم يتعثر دراسيا قط..كل من عرفه كان يرى فيه الفشل منذ الوهلة الاولى..لكنه فى النهاية انهى دراسته الجامعية بتقدير مرتفع..و هو يعلم فى قراره ذاته انه لو كان يرغب فى ان يصير من الاوائل او من طاقم التعيين الجامعى لفعل..ليس هذا موضوعنا على كل حال..

a4rzegq23hxd6kipo1vb

 

فى تلك الكليه سنين بعينها تبدأ فيها مرحلة الاختلاط بالمرضى و علاجهم..و كالعادة هى فى بدايتها مرحلة شديدة الصعوبه لها هيبتها العالية..و بغض النظر عن صعوبة العلاج ذاته فى اوله كانت هناك مشكله اتفه فى ظاهرها تبرز على السطح..كيف تجلب المرضى؟؟؟

من الصعب تخيل اطباء محترمين يرتدون المعاطف الطبية النظيفه واقفين على قارعه الطريف يتسولون المرضى لكن هذا ما كان يحدث فعلا..سعياً وراء الدرجات الدراسية او وراء خبرات جديدة..هناك من احضر اقاربه..هناك من وقف امام شباك التذاكر المجانى ليزعق (حد عاوز يخلع )..

41786_48814502230_2369_n

يذكر حكاية لن ينساها عن احد اصدقائه و قد ذهب الى مقهى مجاور للكلية يعرض خدماته الطبية هناك..اعتقد رواد المقهى انه يسخر منهم و كادوا ان يفتكوا به لولا ستر الله..كالعادة ككل شىء تنافسى قد لا يخلو الامر من الخديعه بين الزملاء و بعضهم..فالاطباء بشر و ليسوا ملائكه..فلان سرق مريض علان..و اشياء اخرى يندى لها الجبين...لا يذكر كيف تعامل مع كل ذلك..لكن كله مر لحسن الحظ...

ispi077004

 طبعاً هناك مشكلة اخرى و هى التعامل مع المرضى انفسهم..التعليم الطبى فى مصر و فى اى بلد نامٍ فى الواقع هو عبارة عن منظومة متاكملة من المنفعه التى لا تتوقف على فرد واحد..المرضى يجبرهم قلة مواردهم و قلة وعيهم القبول على اتفاقية غير مكتوبة للرضا بمن يمارس عليهم الطب على سبيل التجربة..الطلاب الصغار يكتسبون جرأة التعامل مع المرضى للمرة الأولى..اطباء الامتياز  يتعلمون على حساب نقص علم الاطباء الصغار..و النواب يتمرسون على حساب نقص خبرة اطباء الامتياز..الاستاذة الكبار يكتسبون من مكانتهم الجامعيه صيتاً و هالة محوطة من العلم و الشهرة..و الدولة تريح بالها من حشد من الجمهور راغب فى العلاج غير المأجور..

المشكلة الفعلية ان المرضى دوماً ما يعتقدون ان تذكرتهم المجانية تشمل العلاج و مقدمه من الاطباء الصغار..و انهم بطريقة ما اصبحوا يملكون الاثنين..لذا تلقى صاحبنا و سواه مشاكل لا حصر لها سببها التعامل الوثيق مع الناس..كلهم يلعبون على ذات الوتر..يعلمون ان الطبيب امامهم بحاجة اليهم من اجل درجاته العلمية..و الامر لم يعد علاقة مريض بطبيبه قدر ما هى علاقة قائمة على الندية…

يذكر دوماً مريض التركيبات الثابته الذى لا يجيىء..يصور الاشعة و يأخذ قياساً لفمه و يضيع من حياة طبيبه يوماً كاملا ثم لا يجىء..يذكر مريض الحشو الذى هو اشد ندرة من الماس..كيف يمضى دقائق قاتله بطيئة يقنعه فيها بجدوى العلاج فقط لتتحطم احلامه على صخر المعيد العنيد و هو يتأمله فى برود و يخبره ان الحالة غير ملائمة..يذكر مريض الخلع الذى كان يجبره على الحركة جيئاً و ذهاباً بين مبنين يباعد بينهما طريق للسفر فقط ليخبره طالب امتياز متعجرف ان السن يمكن استنقاذه.. يذكر مرضى لا يجيئون..مرضى يحسبون من كثرة ترددهم على الاطباء انهم قد صاروا اعلم منهم..مرضى وقحين..مرضى متأففين كأنهم فى ردهة انتظار مستشفى استثمارى..مواقف كثيرة جداً لكنها فى النهاية اكسبته و سواه خبرات لا ينكرها فى فنون التعامل مع الناس..لا يذكرها كلها تفصيلاً لكنه يذكر التجربة بوجه عام….

 

 لكن هناك مواقف بعينها لا تنسى... مثل اول مرة وقف امام مريض من لحم و دم و عظام..هذا اليوم لن يبارح ذاكرته ابداً..لحظه اهتياب..و عدم ثقة..الشعور بأن هذا المريض يجرى جراحة للقلب المفتوح و لا يخلع مجرد ضرس..اليد ترتعش و تهتز باستمرا حتى تكاد تفقأ عين المريض ذاتها..اليد الحازمة لطالب الامتياز الشاب تمسك اليد المهتزه حتى تمنع مزيدا من الضرر.. يمد يده ليخلع بدلاً منه تحت النظرات المستنجده للمريضه العجوز كى يرحمها من جهل الطبيب الشاب و فقدانه التام للثقة..ينفرد به بعد انتهاء الخلع ليقول له ( انت معندكش الثقة المطلوبة..لو ابتديت و ايدك بتتهز كده هتفضل تتهز على طول...)..

طبعاً كل الطلاب صغار السن يجلون اطباء الامتياز بشده دونما سبب واضح..لهذا ظل يحمل كلامه على قلبه كأنها كابوس..هل سأظل فاشلاً الى الابد؟؟ هل الطب ليس مهنتى؟؟ ربما كان مستقبلى فى مكان آخر... هكذا فكر..

و الآن دار الزمان دورته و تحول الطالب الصغير الى طبيب امتياز يعطى محاقن التخدير دون وجل و هو مغمض العين , و تحول الطبيب الى اصغر نائب بقسم جراحة الفم..الطبيب الاصغر يجلس مساعداً للطبيب الاكبر و هو يجرى اولى عمليات خلع الضرس المدفون جراحيا بمفرده..الاخير يرتجف بشده و هو فى اسوأ حالاته..يهمس له ( لو شايفنى بعمل حاجة غلط صححنى..)..

شعر بومضه خفيفة و هو يتذكر موقفهما السابق الذى لابد و ان النائب قد نسى عنه كل شىء...كم ان هذا العالم صغير.. اشفق عليه بشده و قد تكونت بينهما صداقة وطيده فى تلك الفتره....ابتسم له مطمئناً و حاول ان يعيد له ثقته فى ذاته امام الطلبه الاصغر سناً..انتهت العملية بنجاح لحسن الحظ..النائب الصغير فى تحسن مطرد و سيكون يوماً ما جراحاً متميزاً فقط هو بحاجة الى الوقت و المران..لكن ماذا حقاً ما تعلمه من هذا الحادث؟؟ تعلم ان المشاعر الايجابية تزيد مانحها بقدر ما تزيد متلقيها..ان تمنح الثقة لأنسان امر كفيل بأن يزيد ثقتك بذاتك على نحو ما..تعلم ان للكلمة ثقلها على خفتها الظاهرة , فقد ترفع متلقيها الى السماء او قد تخسف به الى باطن الارض..تعلم كذلك الا يتسرع بالحكم على الآخرين..و انه من الواجب ان يعطوا الوقت الكافى لتلقى الخبرات قبل ان تقاس قدراتهم..ربما ساعتها يكونون افضل ممن انتقدهم..تعلم و تعلم الكثير..لكنه فى النهاية حظى بصداقة نادرة اظنها ستدوم طويلاً بدأت بسوء تفاهم و انتهت بأرضية مشتركة..و هذا هو المهم...


166607_10150123695220977_650535976_8006716_2544296_n

 

***************

هناك لحظة بعينها قرر فيها صاحبنا خسارة الوزن الزائد..متى و كيف و لماذا؟؟ اسئلة كلها لا يملك هو حتى عنها ابسط اجابة..فقط يذكر انه فى فترة ما قرابة نهاية تعليمه الجامعى نظر الى نفسه فى المرآه و قال :"اريد تغيير ذلك "..قطعاً كان هناك حدث مؤثر او

Trigger Event

لكنه صادقاً لا يذكر عنه اى شىء..

 لكن ما يذكره فعلا ان قراره هذا لم يكن ابداً اذعاناً لرغبه احد , فقد اوعز اليه الكثيرون ليفعل ذلك دون ان يجدوا اذناً مصغية منه..فهو تعلم منذ صغره الا يلقى بالاً لكلام احد و قد ايقن مع الوقت ان الناس لا تعى ما تريد فعلا و ذوقها يتغير باستمرار بتباين ساعات الليل و النهار.. ستظل تتحدث طيلة الوقت و لن يروقها شيئاً مما تفعل و فى النهاية سيصيبك الجنون و لن تنال رضاهم ابداً و قصة جحا و ابنه و الحمار خير دليل على ذلك..

 

e55

بل قرر ذلك  لرغبه داخليه نبعت منه هو..ان يصير آخر..ان يحسن من حياته..فما الذى ينتظره من السمنه سوى الامراض الوراثيه التى ستصيبه جرّاءِها مع تقدم السن ؟؟ الكل تمنى له التوفيق لكنه لم يتوقع ان يصل الى شىء..

فقط تذكر انه وزنه قبل ان يبدأ حميته كان قد تجاوز الـ (150) كيلوجراماً..هل تعى هذا؟؟ تخيل لو ان وزنك (70) كجم انك تحمل انساناً مماثل لك فى الوزن فوق كتفك و تسير به طوال اليوم حتى اقرب لك الصورة اكثر...هل تتخيل الحياة على هذا النمط؟؟ تتنفس..تفكر..تمشى..تصعد الدرج..تجرى وراء الحافله..و كل هذا و انت تحمل انسان فوق كتفك و تجد السير..انها حياة صعبة..حقاً صعبة..و اعتقد انه فى سره قد سئمها..اعتقد انه اراد ان يتحرر من كل ما يعيقه و يحول بينه و بين كل ما اراد....

يمكننى ان انعت الفتى بأوصاف شتى..لكنى اشهد له انه قوى الاراده بشكل لا يصدق..منذ اليوم الاول توقف عن اطعمته المفضله دون نيه فى الرجوع..كان طبيبه المتابع يقول له ( ده نظام قاس جداً)..فيقول له ..اعطنى ما هو اصعب..سأتغير..لكن ليس لأن الناس ترانى مختلفاً..بل لأنى اريد ذلك لذاتى..

من جديد لا تستخف بالامر..الطعام كان مكوناً رئيسياً فى حياة الفتى الخاوية..كان يعتبره مخرج رئيسى للتوتر الذى لا يفرغ فى نشاط عنيف او يتطاير مع تبغ محروق..كما انه منبع لا ينتهى من هرمون السعادة " السيروتينين"..لهذا فالامر اعقد مما يبدو عليه فعلا..و المغزى من كل ذلك ان لا تحاول السخرية او التقليل من مهمة قد تبدو لك سهله مثل خسارة الوزن او من منفذها فأنت نفسك قد لا تجد فيك قوة الارادة اللازمة لتنفيذها لو انعكست الاوضاع...

ربما كانت الاسباب غير واضحة لكنى اعتقد  ان لفيلم (روكى) (لسيلفيستر) جزء كبير من هذا التغيير..فعلى انغام موسيقته الحماسية التى تضخ الادرينالين فى العروق ولدت المعجزة..الجسد الخامل الذى لم يعرف معنى النشاط ينثنى الآن فى اوضاع صعبه ليؤدى تمارين الضغط و البطن المرهقه..فقط اريدك ان تتخيل معى صعوبه مثل تلك التمارين الشاقة على جسد كان مجرد تخيل الحركة الحثيثة مشقة عليه...عضلات لم تعرف معنى المجهود الضعيف و تطالبها اليوم ان تكشر عن انيابها و تحقق المستحيل..لم يكن الامر سهلا بالمرة لكن " المستحيل " تلك كلمة لا معنى لها سوى التعجيز غير المجدود..يمكن ان تسمع صوت العضلات الضعيفة و هى تئن و تصرخ طالبة الراحة..لكنها تلين..تنصاع اخيراً...تتشكل و تقوى لتزيح طبقات الدهن الشحيمة من عليها..تخرج لترى النور..تعب الهواء عباً بعد ان ظلت محرومة منه طيلة أكثر من عشرين عاماً...و كل هذا بسبب (بيل كونتى) و موسيقاه الاسطورية...مع الاراده الراغبه فى تحقيق حلم قديم...

rocky2

 

اعتقد ان هذا الفيلم ذاته يمثل فى نجاحه خير ممثل للتنمية البشرية و افكارها..مهاجر ايطالى فقير يهوى التمثيل..يملك فكرة لا يريدها احد..تتبناها  احدى شركات الانتاج بصعوبة و تعهد للفيلم اقل الامكانات و يتم انجازه بالكامل فى اقل من شهر..فلماذا نجح الفيلم فى ظل هذه الظروف؟؟؟ لماذا حصد الاوسكار امام افلام ثقيله الوطء مثل الفك المفترس و سائق التاكسى؟؟ ليس بسبب الاداء المتواضع لـ(سيلفستر) قطعاً..بل لأن القصة ذاتها تلعب على اوتار الحلم الدفين لدى الناس جميعاً بمقاومة الظروف الصعبة و التغلب عليها صعوداً الى القمة..فهى تتحدث عن شخص عادى يواجه المستحيل و ينجح رغم تواضع امكاناته فى مواجهه قوى عاتية..قصة تخاطب الانسان الحالم فى كل مشاهد و هو يرى الملاكم الايطالى الفقير  الـ

Under Dog
 

و هو يواجه بطل العالم ذاته و يصمد امامه طيلة 15 جوله بينما توقع له الجميع ان يسقط من الأولى..و هذا طبعا على الانغام الرائعه  لمقطوعه (بيل كونتى) الرائعه

( Going The Distance)

  التى من دونها كان يمكن للفيلم ان يتحول الى مأساه حقيقية..تبدأ بجرس الحلبة عالى الصوت مع المشهد الرائع لـ (روكى) و هو ينهض رغم الامه ليواجه (ابوللو كريد) بطل العالم...مع لقطة عابرة للوجه الدامع لمحبوبته (تاليا شير ) و قد منحه وجودها قوة غير محسوسة…يشير الى غريمه ليواصل , لقد انتهى جسده لكن حلمه ما يزال حياً..المذيع يصرخ فى اندهاش :" ما الذى يبقيه واقفاً على قدميه؟؟"…احقاً لا تعرف؟؟ انها قوة الحلم..قوة الارادة..قوى نفسية بالكامل لا صلة قربى لها بالجسد الموشك على التهالك..

يشير لخصمه ان اضربنى بأقسى ما استطعت..ينظر له البطل فى دهشه..غير راغب فى مزيد من العراك و هو يرى امامه رجلاً ميتاً يتحداه...كلاهما ينظر للآخر بتهيب ..بضع لكمات تتبادل دون نيه حقيقية فى الضرب..كلاهما منهك..مرهق.. لكنهما تحولا الى آله من التصميم رغم ما يشعران به من الم..حتى يفصل بينهما الجرس..لقد خسر الملاكم المغمور مباراه لكنه ربح ذاته و حقق حلمه..

 


  اعتقد ان هذا ما سبب نجاح الفيلم فى رأيى... فقد تواصل معه الجميع كونه يحمل الرساله المباشرة..انت تقدر..انت تستطيع..فقط ان حاولت...

بضع اشهر معدودات و تمت لصاحبنا المعجزة التى حلم بها مطولاً..لقد تناثر الفراء من على جلد الدب ليعود الى ارض البشر انسانا عادياً..شعور غريب ذلك الذى احس به..الشعور بأنك كنت تسبح ببدله صوفيه تجذبك الى الارض بقوة و قد نزعها احدهم عنك فجأة..لقد صرت خفيفاً كريشه هائمة فى النسيم..لقد صار قادراً على الركض بعد ان كان مجرد التفكير فى المشى مجهوداً و مشقه لا حد لها..انعكاسه على المرآه الذى اعتاد ان يستنكره كثيراً بات مظهراً مألوفاً أكثر...الميزان الرقمى الذى طالما كره ان يعتليه لما حمله له من اخبار سيئه على الدوام صار صديقاً لا ينقل سوى الاخبار السارة...لقد ولد من جديد..اصبح يرى كل شىء بمنظور مختلف..يرتدى ما يشاء و يتحرك كيفما شاء..

هل سبق و رأيت شاباً تخطى العشرين يجرب الركض لأول مرة فى حياته؟؟؟ ها أنت ذا تفعل...مجدداً على انغام (بيل كونتى) لكن هذه المرة فى


(Gonna Flay Now )

يشعر و هو يسمعها انه يطير فعلا مع خطواته المتسارعه التى لم يألفها مسبقاً...يتذكر المشهد الايقونى لـ (سيلفستر) و هو يبدأ الركض الحثيث لتتزايد سرعته مع علو ايقاع الموسيقى حتى يعتلى درجات سلم متحف الفنون لـ (فيلاديلفيا ) و يرفع يديه علامة النصر فى مشهد خلده فيما بعد اهل تلك المدينة بتمثال مشابهه على تلك الصورة..لحظة الانتصار الجميلة التى تتوج ساعات الكفاح المريرة..ساعتها تشعر ان كل هذا لم يكن هباءاً ابداً..

هذه تجربه تغير مجرى الحياة لو اردت رأيى..اين من سخر من صاحبنا و شكك فى قدراته قديماً ؟؟ معظمهم الآن اكثر سمنه منه و هو قادر على التغلب عليهم فى سباق للركض ان اراد..حتى طبيبه المعالج الذى لم يتوقع له هذا التحسن الملحوظ وضع صورته (قبل - بعد) فى منشور عيادته الذى يراه المرضى كل يوم..ما اروع ان تنجح فى وقت قصير بتحقيق ما عجز عنه الناس اعماراً كامله..لقد اراد و  حاول و نجح و اثبت لذاته انه ما من شىء لا يقدر عليه..انه يستطيع...

35070_461214385976_650535976_6536880_7824515_n

و للحديث بقية…..

( يتبع )