الجمعة، 1 نوفمبر، 2013

الزينى بركات وفن صناعه الطاغيه……2

 

الزيني_بركات_02

عهد الزينى والشهاب..

فوجىء الناس بصدور مرسوم سلطانى يوكل الشهاب (زكريا) نائباً للمُحتسب فى اداره شئون البلاد..

وحار الخلق..كيف يجتمع الشتيتان؟؟ نصير الضعفاء وظالمهم ؟؟

واستمر اللغط الى ان انهاه الزينى بواحده من خطبه المُتسلله الى القلوب

"كيف تشكّون انى ظالمكم وانتم النور الذى يضىء عينى؟؟ والله ما وليت (زكريا) نيابتى الا مُجبراً؛ كى ارفع اذاه عنكم..

لقد استتبت الشهاب..ذكرته بوعيد الله ومكره اذ يشاء بمن بسط للقوه من عباده..قلت له: اتق دعوه المظلوم يا (زكريا)..تذكر يوم تأتى الله فرداً بلا حرس ولا سلطان..تذكر يوم تُنصَبُ موازيين القضاء فلا يحول يومئذٍ من بطش الله الا رحمته...

والله بكى (زكريا) بين يدى..تاب الى الله مُعلناً نيه فى التغير التمستها صادقه..

يا اخوانى..لم اطلب منكم قبل اليوم طلباً, والآن لى عندكم رجاء صغير..اصدقوا اخاكم (زكريا) التوبه كما اصدقته, وانا الضامن امام الله وامامكم انه لن يقيم من اليوم فيكم الا العدل..."

وعمد الزينى الى حمله مكثفه لتلميع (زكريا) بحيل جهنميه وعدد من الحوادث المُدبره يظهر فيها الشهاب كنصير للفلاحين على بطش المماليك..

تحول كبير البصاصين من كيان مكروه يعمل فى الخفاء خشيه ثأر يحمله قلب موتور ظلمه, الى شخصيه عامه تخطب فى الناس بالمساجد, يتسابق اليها المريدون لتقبيل اليد والحصول على نفحه من نصح وارشاد..

• وجهان لعمله دنسه..

وحده (سعيد الجهينى) يبدأ فى التبصر الى الحقيقه الخافيه..

الزينى والشهاب وجهان لعمله واحده..

فإن كان سلاح (زكريا) السيف والسجن والجلاد, فإن سلاح (بركات) البسمه والكلمه الطيبه والعقل الماكر..

(زكريا) يرهب الناس ويجبرهم على مأربه, والزينى يزين للناس الشغف بما يريد وتننفيذه طواعيه..

الشهاب قوته فى سطوته وزبانيته, والزينى قوته فى مغناطيسيه شخصه الساحر..

(زكريا) يعذب الجسد, بينما الزينى يقتل الروح فى جسد مُعافى..

الزينى يسكت على محتكر الفول (ابن سيد الناس) عامداً..الزينى يحصِّل اموالاً مُضعّفه من العامه ليرضى السلطان..الزينى يضع يده فى يد (زكريا)..الزينى ظالم احبه الناس..

الزينى شيطان آثم, وهو اخطر من الشهاب الف مره..

منجزات العهد المشترك..

نجح تحالف (زكريا) والزينى فى اعلاء نظام البصاصه فى مصر الى مكانه غير مسبوقه عن طريق:

- اسباغ صبغه دينيه ومجتمعيه محموده على مهنه البصاصه الحقيره, فالبصاص الحق يحفظ للوطن عدله وامانه..

- البدايه بمشروع طموح يعطى كل فرد فى السلطنه رقماً محدداً, مما يسهل من مراقبته وتسجيل تحركاته..

- العمل على تربيه جيل صغير من الاطفال البصاصين, يبدأون بمراقبه ذويهم ونقل كل ما يبدر عنهم, ولائهم الوحيد محفوظ لأمن الدوله وصالحها..

- انشاء نظام هرمى للبص يختص بمراقبه جميع فئات المجتمع بدايه من الفلاحين وحتى الامراء والسلطان..

احوال ما قبل الهزيمه..

فى تلك الآونه انقسم عالم الشرق الى ثلاث ممالك تتنازع على السياده:

الدوله العثمانيه فى تركيا والدوله الصفويه فى العراق والدوله المملوكيه فى مصر..

حاكم مصر هو السلطان (قنصوه الغورى), وقد كان لينا ضعيف الشخصيه (طرطوراً), جعل كل همه طوال فتره ولايته ان ينعم على رجاله من المماليك على حساب الشعب لأنهم (القوه التى تحمى مصر)..

(امن الوطن) هى كلمه مطاطه تحت ظلها تنمحق كل الحريات..امن الوطن هى كلمه شفريه تعنى سراً امن الحاكم وخواصه..امن الوطن يضطلع به الشيطانان الزينى والشهاب..

امن الوطن موجَّه داخله يستهدف ابنائه..امن الوطن يأكل الوطن بينما يكتفى اعدائه بمراقبه موته البطىء..

جو عام من الشك والكراهيه والخوف..الانفاس مُحصاه, والحريه مُصادره, والكلمه لا تُلفظ الا ومدونها رقيب عتيد..

الثوره الحالمه بالعدل تلتهم ابنائها, و(سعيد الجهينى) المثقف الازهرى يعتقل بتهمه التآمر على النظام الحاكم..وكأن آلام القلب لا تكفيه بعد ان تزوجت اثيره روحه من امير مملوكى..جاره فى السجن والتعذيب هو جلاده المُراقِب (عمرو العدوى)..مكافأه الشهاب على سنوات الذل بعد ان احترق بين زملائه وافتضحت خيانته..

الثائر يرى مع انكسار حريته ضياع الحب والوطن..يرى مصر تركع ذليله اثر خيانه المماليك الذين باعوها لأعدائها..لقد انتصر العثمانيون فى (مرج دابق)..مات (الغورى) كمداً..واقتربت مصر خطوه من الضياع الابدى...

من اين يمكن للفرج ان يأتى...والامل فى ظل هذه الظروف رفاهيه لا يملكها؟؟

• (طومان باى) وسقوط مصر..

تولى (طومان باى) السلطنه خلفا للـ(غورى), وحاول قدر ما يستطيع ان يجمع حوله ما تبقى من المماليك لدفع الخطر المحدق عن مصر..

الشيخ (ابو السعود الجارحى) يرسل فى طلب الزينى للمثول بين يديه..وعندما يحضر, يزعق فيه ويسبه بالكلب الظالم, وفى جماعه من مريديه ينزع عنه عبائته ويسجنه..

ويرسل الشيخ الى السلطان الجديد يسأله عزل المُحتسِب من منصبه باعتباره احد اهمام الاسباب المؤديه للهزيمه..وهو الامر الذى لا يرده (طومان باى) للشيخ الجليل..

(سعيد الجهينى) يتم اخراجه من السجن جسداً بلا روح..عينان لا تريان..اذنان لا تسمعان, وعقل كليل آخر ما يشغله حال الوطن..نجح اعدائه فى تحويله الى نبت مسالم لا ضير منه فى طلب عدل او حريه..

(زكريا) يجد نفسه فى موقف غريب..فهاهو عدوه الذى حرمه النوم سنين طوال -حتى فى تحالفه- قد هُزِمَ وعُزِلَ..تلك كانت الفرصه التى يتحينها من يوم قابله, فلم لا يشعر بالسعاده؟؟ لم تستيقظ فيه بواعث تلك العلاقه المتشابكه من جديد؟؟

الا يقع هو اذا ما وقع الزينى بكل ما فى حوزته من اسرار؟؟ واذا ما وقعت انت يا (زكريا) فمن لك غير صديقك العتيد؟؟ من ينقذك يومها غير الزينى؟؟

تحت اثر هذه الوساوس ينقذ الشهاب (زكريا) الزينى (بركات) من محبسه باعجوبه..

تعود القوى الكامنه لتعبث فى الظلام, وتشارك الخيانه بدورها ليخسر (طومان باى) فى (الريدانيه)..(سعيد) الكسير يرى البطل الذى خذلته الظروف يتدلى عنقه من حبل غليظ على باب زويله..

انتهى كل شىء..مصر المملكه العظيمه..سيده الشرق..زهره دوله المماليك..تتحول الى ولايه صغيره تابعه للباب العالى فى الآستانه..

خرج (سعيد) من السجن لينسحب الى داخل اسوار نفسه..لم يعد لديه ما يعبأ به..ولم يهتم؟؟ هل يوجد حقاً من فارق؟؟ هل يختلف المماليك عن العثمانليه؟؟ ان هو الا صراع قوه كذلك بين (زكريا) والزينى, يجنى ثماره الاقوياء ويدفع ثمنه الضعاف..

قرع الطبول يدوى فى كل مكان, وبريق اهتمام خافت يستيقظ فى روحه المُثقله..صوت منادٍ بعيد يعلن العمله العثمانيه النقد الرسمى للاراضى المصريه..

ولا يتوقف الطرق ولا النداء..

والزينى بركات بن موسى والياً جديداً لحسبه مصر المحروسه..

ما اغباك يا (سعيد)..

الزينى (بركات) كان رجلهم من البدايه..

الزينى الذى خدعك والناس فظننتموه واحداً منكم..(بركات) الذى اعدم العشرات ممن شك فى تخابرهم مع بنى عثمان..ما هو الا جاسوس عثمانى نائم!

الزينى بين الحقيقه والخيال..

شخصيه الزينى (بركات) كما صورها (جمال الغيطانى) حقيقيه تماماً, وقد استوحاها من كتاب (بدائع الزهور فى عجائب الدهور) للمؤرخ المملوكى (ابن اياس)..وينبأنا التاريخ ما بعد احداث الروايه برسوخ وضع الزينى فى مصر العثمانيه لفتره تطول الى عشر سنوات لُقِّبَ فيها بعزيز مصر..

الماضى والحاضر والمستقبل..

 عن ظروف كتابه الروايه يقول (الغيطانى)

"عانينا من الرقابة في الستينيات, وأسلوب التعامل البوليسي. وأتصور أن هذا كان أحد أسباب علاقتي القوية بالتاريخ. كنت مهموما بالبحث في تاريخ مصر, وبقراءة هذا التاريخ خاصة الفترة المملوكية, التي وجدت تشابها كبيراً بين تفاصيلها وبين الزمن الراهن الذي نعيش فيه. وعندما طالعت مراجع شهود العيان الذين عاشوا هذه الفترة, ذهلت من تشابه الظرف بين هزيمة 67 والأسباب التي أدت إليها وبين هزيمة القرن السادس عشر..."

(الغيطانى) رأى فى نفسه (سعيد الجهينى) المثقف الذى آمن بالناصريه فلم تكافئه سوى بقمع الحريه والهزيمه المنكره..

(الغيطانى) رأى فى وقائع هزيمه يونيو ما يشابه سقوط مصر فى القرن السادس عشر..فلم لا يمكنك ان ترى التماثل بين مقدمات النكسه وما يحدث الآن؟؟